الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته

لايعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف اهله
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي أنتقل الي رحمة الله تعالي الي الرفيق الاعلي فضيلة الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته وذلك يوم الاربعاء الموافق 21/11/2012

شاطر | 
 

 الملف السادس والأخير في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د محمد
Admin


عدد المساهمات : 87
تاريخ التسجيل : 08/02/2011

مُساهمةموضوع: الملف السادس والأخير في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف    الأربعاء أبريل 18, 2012 10:32 am

[color=white]أ[color=white]ن المعاد لاحق لمسألة الحسن والقبح ومبناها علي الشرع كما سبق البيان، وأيضاً لا يمكن لإنسان أن يقول إن التكليف بالتصديق بالمعاد تكليف بمستحيل كلا، وإنما يمكن حمله علي تكليف ما لا يطاق،ومعلوم أن الأشاعرة يجوزون أن يكلف الله تعالي عباده ما لا يطيقون.
وبهذا فحلقات التسلسل واضحة في ربط المعالم الأصولية بالناحية الكلامية الدقيقة ومناحيها،والأصل فيها هو الوصول إلي اليقين ومورده ثابت بثبوت النقل المنزل.
وبعد أن تحقق المتكلمون من هذه الأبواب المتصلة بالناحية اللفظية والدلالات التفسيرية عمدوا إلي اعتبار آخر وهو اعتبار الإجماع،مستندين لقول الرسول () {لا تجتمع أمتي علي ضلالة }والتصديق بالمعاد وما يحويه من أبواب الإجماع.
وإذا كان الإجماع واقع علي التصديق به والإيمان به واجب، فكذا حصل الإجماع علي أن منكر ذلك كافر.
يقول ابن الهمام:" وانعقد الإجماع علي كفر من أنكر الحشر والنشر جوازاً أو وقوعاً."
وبعد أن عرضت أدلة إثبات المعاد، ووصلت إلي أن تلك الأدلة ثابتة محكمة لا مجال لتأويلها أو نسخها بآيات أخر، هنا أصبح الإقرار بالمعاد واجب،وهنا حصل نوع اختلاف بين الفرق الإسلامية أيكون الوجوب في المعاد سمعي أم عقلي؟ هنا كان لابد من عرض الأمر في تلك المسألة ليصير التحقيق علي بابه.
المحاضرة العاشرة :
الشفاعة
لقد دارت حوارات كثيرة حول الشفاعة وثبوتها،وظهرت موجات كثيرة تنكر وقوعها متمسكة ببعض النصوص التي حملتها ما لا تحتمل،فأولت ما لا يحتاج إلي تأويل مع أن القاعدة ثابتة في أنه لا يحمل اللفظ علي المجاز ويصرف عن الحقيقة إلا لقرينة ثابتة تصرف عن المعني الحقيقي إلي المعني المجازي ومع هذا تراهم وقد تسابقوا نحو التعميم بدون داع،وإن أرادوا التخصيص خصصوا بدون موجب فوقعوا في أخطاء متلاحقة:
إثبات العموم مع أن الحقيقة راجعة إلي الخصوص.
وإثبات الخصوص مع أن الأمر منصب علي العموم.
وتأويل اللفظ وهو حقيقة بدون قرينة تسوغه.
وحمل اللفظ علي الحقيقة وهو مجاز ومعه القرينة.
وتناثرت الأقوال والدواعي قديماً و حديثاً،كلهم ينظرون إلي المسألة بعين الحقد والغيرة،الحقد علي رسول الله محمد ( ) ويقولون في أنفسهم لماذا يكون هو المخصوص بكونه شافعاً، وتراه يعترض علي القضاء والقدر ويودون أن يتساو في المرتبة مع الرسول،ولما لم يبين مأفون ما لديهم يجنحون إلي قياس الغائب علي الشاهد وتحكيم قوانين الحياة الدنيا في الآخرة بدعوى العموم وهذا خطأ فادح إذ الأصل فيه التخصيص ذلك أن لكل حياة قانونها.
فيرون أن بعض القوانين البشرية تثبت الشفاعة أنها واسطة سيئة تجعل المستحقين منبوذين وغير المستحقين آخذين ومقربين،فتراءي لهم إنكار الشفاعة أصل توصلاً إلي مظنون لديهم،فأنكروا العموم توصلاً إلي إنكار الخصوص [وأخطئوا] ولو انصفوا لأنكروا الخصوص تركوا العموم علي حاله.
مفهوم الشفاعة لغة واصطلاحاً:
ترجع مادة الشفاعة في أصلها اللغوي إلي الفعل شفع يشفع شفعاً وشفاعة والشفع في الإطلاق اللغوي ضد الوتر وهو الزوج،وقال صاحب لسان العرب:شفع لي يشفع شفاعة وتشفع طلب،والشفيع الشافع والجمع شفعاء واستشفع لفلان علي فلان وتشفع له إليه ….وقيل الشفاعة هي الدعاء والشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره،وشفع إليه في معني طلب إليه والشافع الطالب لغيره يتشفع به إلي المطلوب يقال تشفعت لفلان إلي فلان فشفعني فيه واسم الطالب شفيع." والشفاعة هي أن تشفع فيما تطلب وفيها الطلب والسؤال.
ولئن نظرنا إلي مجمل ما ذهب إليه اللغويون لرأينا أن الشفاعة تعني الطلب والسؤال وتقضي أن يكون هناك شافع ومشفوع له ومشفوع عنده، وتصور الشفاعة مزامن لتصور الطلب، ولا تكون الشفاعة إلا في الخير، أما علي الإيجاب كأن يكون التشفع مقروناً بوسيلة تقارن الخير أو تدفع الضرر، وهي بهذا علي السلب، وأيما كان الأمر فالشفاعة هي اعتبار خير مقرون بطلب خير.
الشفاعة في الاصطلاح:يقول صاحب التعريفات:" الشفاعة هي السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقع الجناية في حقه." ويلاحظ أن هذا التعريف يحدد الشفاعة المقصود بها النبي () فهي شفاعة مخصوصة، والأصح في المفهوم هو ما اتفق عليه المحققون في كون الشفاعة سؤال الخير من الغير للغير."
وقد اتفق المسلمون جميعاً علي ثبوت الشفاعة لرسول الله () وجاءت الآيات القرآنية واضحة في إثباتها، وكذا الأحاديث النبوية الشريفة، وانها سمة حقيقية من سمات النبي () وأثبتت ذلك المعتزلة أيضاً.
فالشفاعة من الأمور التي نص القرآن والسنة علي أنه ستكون في الدار الأخري، والشفاعة هي الأمور المتصلة بأفعال العباد إذ مرجعها إلي الأفعال من اتجاهات عدة.
أولاً: فعل العبد واتصاله بالكسب. ثانياً: تحقيق الثواب والعقاب علي الفعل.
ثالثاً:الفعل وصلته بالفعل الإلهي.رابعاً: الحسن والقبح وما يرتبط بهما من الفعل.
وقد اثبت الحق تعالي أنه لن تكون شفاعة إلا من بعد إذنه، وأنه تعالي لن يقبل الشفاعة إلا فيمن رضي عنه بأن كان من المؤمنين الذين اتخذوا عند الله عهداً، أو المذنبين من أمة محمد ()، أما المشركون والكافرون، فلن تقبل فيهم شفاعة الشافعين، هذا فيما يتعلق بخاصيات الشفاعة الداخلية.
أما الشفاعة العظمي، وهي المقام المحمود فلم ينكرها أحد اللهم إلا الخوارج والكرامية، وظهر حديثاً الدكتور مصطفي محمود معلناً تلك البدعة الحمقاء، ولم يستند إلي ثوابت عقلية أو نقلية تؤيده،كل ما فعله هو الإنكار بلا دليل سابغ.
ولقد جاءت النصوص تباعاً تثبت الشفاعة ومقتضاها.
قال تعالي ﭽ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯾ ﭼ البقرة: ٢٥٥
قال تعالي ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭼ الأنبياء: ٢٨
قال تعالي ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ سبأ: ٢٣
قال تعالي ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ مريم: ٨٧
ولقد حرصت الآيات القرآنية علي إثبات الشفاعة للرسول () وهي المقام المحمود يوم القيامة:قال تعالي ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ الإسراء: ٧٩
وشفاعته () إنما تكون لمن مات مؤمناً لا يشرك بالله شيئأً فعن أبي هريرة  ، قال رسول الله () { لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته لأمته وأنا اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إنشاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً."
ويتبين من الآيات السابقة أن هناك شفاعة مثبتة مقبولة وأخري منفية، والشفاعة المنفية وهي ثلاثة أنواع:
الأولي: شفاعة الآلهة التي عبدت من دون الله تعالي، أو معه، وهذه الشفاعة لا وجود لها مطلقاً خاصة وأن الله تعالي نبه إليها يقوله زاجراً الذين يرومونها تحقيقاً فقال: ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ الزمر: ٤٣.
الثانية: الشفاعة بدون إذن من الله تعالي للشافع، أو عدم رضاه عن المشفوع له: ﭽ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﭼ النجم: ٢٦.
الثالثة: الشفاعة بالمعني المعروف لنا، وهي أن يعمل الشافع علي تغيير عزم المشفوع عنده علي فعل كان أراد غيره أو ابتداء أمر جديد كان المشفوع عنده لا يريده، والشفاعة بهذا المعني محالة علي الله قطعاً لأنها تقتضي تغيير إرادته وعلمه، أو تقتضي أن يكون الأمر آنفاً لم يسبق به و[ حاشا لله ذلك]
أما الشفاعة المقبولة فهي أولاً: الشفاعة العظمي وتكون يوم الهول الأكبر لفصل القضاء، وهي المنصوص عليها بقوله تعالي { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسي أن يبعثك ربك مقاما محمودا }. وهي خاصة بنبينا محمد () وورد فيها أحاديث متواترة كثيرة.
وقال ابن الهمام في شرح القدير:" ثم يسئل النبي () الشفاعة فيقال يا رسول الله نسألك الشفاعة، ثم يكررونها، ثم يذهب إلي العرش فيسجد لله تعالي."وفي هذا الأمر حديث طويل رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة 
ثانياً: شفاعته في أناس من أمته يدخلون الجنة بغير حساب، يدل علي ذلك ما روي عن أبي امامة رضي الله عنه: أن رسول الله () قال : وعدني ربي  أن يدخل الجنة من أمتي سبعين الفاً الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومع كل ألف سبعون ألفا وثلاث جنات من جنات ربي  ."
ثالثاً: الشفاعة في زيادة الدرجات لأهل الجنة فوق ما كان تقتضيه ثواب أعمالهم، وهذه الشفاعة كما تكون لسيدنا محمد تكون لغيره من النبيين والملائكة والمؤمنين.
رابعاً: الشفاعة في قوم استوجبوا النار بذنوبهم فيغفر الله لهم ويدخله الجنة استجابة لشفاعة نبينا محمد () ولشفاعة الملائكة والشهداء والصالحين.
خامساً: الشفاعة في إخراج قوم من المذنبين دخلوا النار، وإدخالهم الجنة بشفاعة نبينا محمد () أو لشفاعة الملائكة والشهداء."
يقول السبكي في شفاء الأسقام:" لقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا محمد () وسائر الأنبياء والملائكة وأخوانهم من المؤمنين ثم يخرج الله تعالي كل من قال لا إله إلا الله كما جاء في الأحاديث ولا يبقي فيها إلا الكافرون."
وجاءت أحاديث كثيرة وآيات وغيره تثبت الشفاعة لأهل الكبائر من أمة محمد () وهذا هو ما عليه الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، غير انه وقبل أن أغادر هذه النقطة لأتغلغل في الآراء الواردة في الشفاعة لأهل الكبائر أقول:
إن الآيات والأحاديث النبوية الواردة في مطلق الشفاعة ثابتة ومتواترة، ومعلوم أن المتواترات فرع من الضروريات والقدح فيها قدح في الضروريات، وإن من أنكر الضروريات فهو أحد شخصين، إما مختل عقلياً، وهذا قد رفع عنه التكليف لقوله () رفع القلم عن ثلاث منهم [ المجنون حتي يفيق ] وهذا لا عبرة به ولا لقوله.
أو جاحد وهذا لا شان لنا به لأنه إن أنكر الضروريات وجحدها فبأي شئ يسلم؟ لا شئ، والأولي هو البعد عنه، فالبعد عنه غنيمة مع التصدي لأقواله وتفهيم الناس الحق الواجب عليهم أن يقتنعوا به ويسلمونه، وتربي فيهم ملكة النقد البناءة وتعرفهم العقيدة الصحيحة الخالية من الشوائب والجدال المحقق والباطل.
وإن من أنكر الشفاعة علي هذه الناحية العامة فهو منكر لمعلوم من الدين بالضرورة وهو كافر خاصة وأن مبناها حينئذ علي اثنين:
أولاً: التواتر وجاء تواترها من القرآن الكريم وآياته المبنية ذلك، والسنة النبوية الصحيحة كما جاء في البخاري ومسالم والكتب التسعة.
ثانياً: الإجماع، وبان أن الإجماع منعقد علي قبولها وبذلك يتحقق التثبت والتوثيق.
وبعد هذا العرض لمطلق القول في الشفاعة أنتقل إلي القول في الشفاعة لأهل الكبائر
الخلاف الدائر بين أهل السنة والمعتزلة في إنكار الشفاعة لأصحاب الكبائر
لقد حدث خلاف شائك بين أهل السنة والمعتزلة في الشفاعة لأهل الكبائر، فذهب المعتزلة بناء علي قولهم في مرتكب الكبيرة وأنه مخلد في النار، وأنه في منـزلة بين المنـزلتين، ومعلوم أن هذه المسألة هي الأولي في الفكر الاعتزالي والتي علي غرارها انفصل واصل بن عطاء عن مجلس الحسن البصري كما أشارت المصنفات التاريخية ومصنفات الطبقات في الفكر الاعتزالي، وكذا كتب الكلام.
ونري المعتزلة حينما يذهبون إلي تخليد مرتكب الكبيرة في النار يبنون ذلك علي قاعدتين:
الأولي: الوجوب الثانية: الاستحقاق
يقول القاضي عبد الجبار:" توعد الله المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب وهو تعالي يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب."
وبهذا فمرتكب الكبيرة مخلد في النار بناء علي أنه في منـزلة بين المنـزلتين حتي لو كان موحداً مؤمنا برسله، فالله تعالي توعد مرتكب الكبيرة بالعقاب وتخلف الوعيد محال، لأنه لو لم يعاقبه للزم الخلف في وعيده وهو يؤدي إلي الكذب في أخباره وهو محال.وقد استشهد المعتزلة ببعض الآيات التي تثبت مدعاهم علي ظنهم وهي:
قال تعالي ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ النساء: ١٤
يقول القاضي عبد الجبار: لقد اخبر الله تعالي أن العصاة يعذبون بالنار ويخلدون فيها،والعاصي اسم يتناول اسم الكافر الفاسق جميعاً، فيجب حمله عليها لأنه تعالي لو أراد أحدهما دون الأخر لبينه فلما لم يبينه دل علي ما ذكره"
قال تعالي ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ البقرة: ٤٨.
ويري المعتزلة أن النفس هنا عامة تشمل العاصي والكافر، والضمير راجع إليها فيكون المعني ولا يقبل في أي نفس عاصية كانت أو كافرة شفاعة، فقد نفت الآية الشفاعة عن العاصي، يقول الزمخشري:" فإن قلت هل في دليل علي أن الشفاعة لا تقبل للعصاة قلت نعم لأنه نفي أن تقضي نفس عن نفس حقاً أخلت به من فعل أو ترك ثم انه نفي أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة." وأجيب عن ذلك بأن الضمير في قوله تعالي ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﰃ ﭼ راجع إلي النفس الثانية وهي ليست عامة بل هي النفس اليهودية بدليل أن سوق الآية وسبب نزولها خاص باليهود الذين زعموا أن أنبيائهم تشفع لهم فرد الله عليهم بقوله ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﰃ ﭼ أو يقال:" إن الآية ليست عامة في جميع الأوقات والأزمان، بل في بعضها بعض منها كيوم الموقف مثلاً فلا ينافي أن الشفاعة تكون بعده
أو يقال:إن هذا العموم قد يستثني منه الشفاعة بإذنه تعالي لقوله تعالي ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ طه: ١٠٩.
وقوله تعالي ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﯘ ﭼ النساء: ٤٨.
فقوله ﭽ ﮪ ﮫ ﮬ ﯘ ﭼ عام يتناول الصغائر والكبائر، وفي هذا ما يدل خلاف ما ذهب إليه المعتزلة باعتبار أن مذهبهم يصرح بأن الله تعالي لا يجوز أن يغفر الكبائر إذ لم يتب أصحابها.
وهنا تري المعتزلة يلجئون إلي التأويل فيخصصون المغفرة بأصحاب الصغائر دون الكبائر لأن الله تعالي قال ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮞ ﭼ النساء: ٣١ فشرط الله تعالي في تكفير السيئات التي ليست كبائر اجتناب الكبائر، فدل ذلك علي أن أهل الصلاة فيما يفعلون من الكبائر إذا أصروا عليها يؤاخذون بها وبالصغائر جميعاً."
وهذه الآية تصرح بظاهرها أنه لا مؤمن إلا ويغفر الله تعالي له، وإن ارتكب الكبائر ولم يتب منها، ولكن المعتزلة يرون أنه لا يصح الأخذ بظاهر الآية، لأن ظاهرها يقتضي أن يغفر الله تعالي الذنوب كلها سواء أكانت للكفرة أو الفسقة، وليس هناك من يقول بجواز غفران ذنوب الكفرة، وكذلك لو جاز أن يغفر الله تعالي لمرتكب الكبيرة بدون التوبة لكان في ذلك إغراء للإنسان أن يفعل القبيح، وذلك لا يحسن من الله تعالي، وإذ كان لا يجوز الأخذ بظاهر هذه الآية فلابد من التأويل، والقول بأن الله تعالي ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯛ ﭼ الزمر: ٥٣ بالتوبة."
وإذا قام الدليل عند المعتزلة علي أنه لا يجوز العفو عن مرتكب الكبيرة الذي مات ولم يتب منها، وأنه لا بد أن يخلد في النار بحيث لا يخرج منها أبداً، تبعاً لا يجوز الشفاعة من أجله لأن ثبوت الشفاعة من أجله يناقض مبدأ الوعيد الذي يقضي بتخليد العصاة في النار وعدم العفو عنهم أبداً.
ولما كانت الشفاعة هي طلب العفو والمغفرة فهي لا تجوز من أجل مرتكبي الكبائر لأنه لا فائدة منها، إذ أن الله تعالي لا يغفر لهم ذنوبهم ولم يعفو عنهم، واستند المعتزلة لقوله تعالي ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ غافر: ١٨
وهنا يقول المعتزلة إن الله تعالي قد نفي الشفاعة للظالمين علي سبيل العموم، والعصاة ظالمون فلا يكون لهم شفيع البتة، ولو كان لهم شفيع لما قبلت شفاعته، وأنه لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر المصرين عليها لم يصرح هذا الظاهر، وإذاً لا تجوز شفاعة النبي () من أجل مرتكبي الكبائر.".
وحق القول لقد وجد المعتزلة في القرآن آيات صريحة تثبت الشفاعة، ووجدوا أنه لا خلاف بين الأئمة في أن شفاعة النبي () ثابتة لأمته فلزمهم الإقرار بالقول:إن الشفاعة ثابتة في حق التائبين من المؤمنين دون الفساق من أهل الصلاة."والشفاعة للمؤمنين التائبين تكون لزيادة الثواب والفضل."ولقد آثرت أن أعرض موقف المعتزلة مفصلاً حتي يتبين الإنسان ذاتية قولهم مؤسساً لبراهينهم، عارضاً حججهم، وبان لي أن المعتزلة لا ينكرون مطلق الشفاعة، وإنما ينكرون الشفاعة لأصحاب الكبائر، ويستندون إلي اعتبارات عقلية ونقلية منها: أنه لا يجوز تخلف الوعيد وقد جاءت آيات قرآنية سمتها العموم ولا يجوز تحويلها إلي الخصوص بأي حال.
وأيضاً أنه يجب علي الله تعالي إثابة المطيع وعقاب العاصي، وهذا الوجوب عقلي لا سمعي، وتري ابن الهمام يؤسس أقوالهم علي هاتين القاعدتين، ولا يصرح أن يؤسس المسألة علي الشفاعة خاصة في هذه المسألة باعتبارها محك الخلاف، فيبرز عدم نفي المعتزلة لمطلق الشفاعة، وإنما لهم باب في الإنكار ذكرناه، وعندهم أنه لا أثر للشفاعة إلا في زيادة الثواب للوجوب." الذي يتمسكون به.
ويمكن القول بأن المعتزلة علي ما فهم ابن الهمام يضعون الشفاعة مطلقة في زيادة تحقيق الثواب فقط ورفع الدرجات، أما العصاة فليست لهم شفاعة.
وهنا تري ابن الهمام يقرر مذهب أهل السنة مبيناً خلافاً بسيطاً فيما بين الأشاعرة ويساندهم البخاريين، والماتريدية والمعتزلة في اعتبارات عقلية عامة في الشفاعة.
وإن منهج ابن الهمام في الشفاعة أراه واضحا من خلال تلك المعالم:
أولاً: أن الشفاعة لا تنال الكافرين سمعاً، قال تعالي ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭼ المدثر: ٤٨ لو شفعوا، لكن لا يقع ذلك منهم، وهذا هو المقرر عند الأشاعرة."والبخاريين."
ثانياً: جواز العفو عمن مات مصراً علي الكبائر بشفاعة النبي، وهذا هو المقرر عند الأشاعرة، والبخاريين والماتريدية."بناء علي قاعدة الفضل من الله تعالي.
ثالثاً: تحقيق شفاعة الأنبياء والصلحاء والعلماء، وقد استند ابن الهمام إلي قوله () شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي." وهو حديث صحيح لكنه آحاد لا يفيد القطع.
ويصور ابن الهمام ذلك قائلاً: ويجوز العفو عمن مات مصراً علي الكبائر بشفاعة النبي () أو دونها ….. ولا خلاف في عدم العفو عن الكفر سمعاً عندنا، قال تعالي ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭼ لو شفعوا.لكن لا يقع ذلك، وعقلاً عندهم المعتزلة والماتريدية علي ما زعموا هو وصاحب العمدة من الحنفية، بناء علي أن العفو عندهم مخالف للحكمة علي ما ظنوا، فيمتنع عقلاً عليه تعالي فيجب العقاب كما أسمعناك من معني الوجوب المنسوب إليه تعالي في كلامهم، ويشفع الأنبياء والصلحاء."
وهنا ونحن نري ابن الهمام وهو يصور موقفه من مسألة الخلاف إنما يقرر مذهب أهل السنة فيها علي نحو مختصر شديد في الدقة.
فأهل السنة قد ذهبوا إلي جواز الشفاعة في حق المؤمنين جميعاً مرتكبين الصغائر والكبائر، ويقوم مذهبهم علي جواز غفران الله تعالي للذنوب، إذ قالوا بأن الإثابة علي الطاعة فضل من الله تعالي، والعقاب لا يكون إلا بعدل منه تعالي، ولما فروا من القول بالوجوب، وحققوا القول بالجواز سهل عليهم أن يتنادوا بهذا الأمر، وقد حقق قائلهم.
ومن يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه
ولقد أحسن صاحب الإرشاد عرضاً في هذه المسألة إذ قال كلاماً جيداً في هذا الباب: "وأجمع المسلمون قبل ظهور البدع علي الرغبة إلي الله تعالي أن يرزقهم الشفاعة، وذلك مجمع عليه في العصور الماضية لا ينكر علي مبديه، فإذا شهد العقل بالجواز وعضدته شواهد السمع فلا يبقي بعد ذلك للإنكار مضطرب ……وإن الأخبار المأثورة شاهدة بتعلق الشفاعة بأصحاب الكبائر، كذلك الرغبات في التشفيع لم تزل تصدر من المتقين ومن الخاطئين، ولا يبدو نكير علي مجتهد إلي الله تعالي في تشفيع نبي فيه."
وتحقيق القول: أن المسألة بيننا وبين المعتزلة كما نوهت سابقاً واضحة في أنهم أنكروا الشفاعة من أحد لأحد من أهل الكبائر واستدلوا علي ذلك بكثير من الآيتان القرآنية، والحق أن هذه الآيات وأمثالها التي استدلوا بها، وإن كانت قطعية في ثبوتها، لكنها ليست قطعية في دلالتها، فإنه إن دلت علي العموم في الأشخاص، لكنها لا تدل عليه في الأحوال والأزمنة، ولو سلمنا جدلاً بوجوده فإن العموم غير مراد قطعاً، والأصل في ذلك التخصيص علي ما أبنت في قاعدتي العموم والخصوص، وإن حملها علي الكفار آكد وأثبت قطعاً.
ويمكن الجمع بين الأقوال بإخراج الخلاف إلي مطلق اللفظ لا حقيقة المرمي والمعني، وذلك بالقول:أن الشفاعة التي أنكرها المعتزلة هي الشفاعة التي تلجئ المشفوع لديه علي تخليص المشفوع من العقاب، كما تعطيه الآيات التي تدل علي نفي الشفاعة، أما الشفاعة التي أثبتها أهل السنة، فهي الشفاعة التي تكون من الشفيع بعد إذن المشفوع لديه بها، كما تحدده الآيات والأحاديث التي استدل بها أهل السنة فهي شفاعة بحسب الظاهر، إظهار الكرامة للشفيع وعلو منـزلته عند الله تعالي، وهي في الواقع عفو من الله تعالي عن المشفوع فيه، ومنة منه تعالي عليه فلعل الخلاف لفظي، ومنها الشفاعة في إخراج قوم من النار وسيشاركه فيها الأنبياء والملائكة وصالحوا المؤمنين، ومنها الشفاعة في زيادة الدرجات.
وحاصل الأمر:
بان مما سبق أن الشفاعة ثابتة بمحصول الدلالات النقلية والجواز العقلي، وهي ثابتة للرسول () وهي المسماة بالمقام المحمود الذي وعده الله تعالي به، وهو ما أخبر به الرسول () بقوله وأعطيت الشفاعة } وقوله () { أنا أول شافع وأول مشفع } وهكذا تواترت الأحاديث الدالة علي إثباتها فمن نازع فيها، فلا سبيل له ولا حجة في الإنكار.
بل ولا تقتصر الشفاعة علي النبي () وإنما هناك شفاعات أخري كشفاعة الملائكة، وشفاعة الأنبياء، وشفاعة الأولياء، وشفاعة الشهيد علي ما ورد في السنة النبوية وتحققت أخباره ووصلت لحد التواتر وهي مشهورات.
وليست الشفاعة علي ما هو المفهوم لدي بعض الدارجين في الفهم القاصرين في الإدراك كواسطة يتلمسها البعض توصلاً إلي غير حق لهم، كلا، وإنما هي باب من المنة الإلهية والنعمة الربانية، أيجوز أن لا نقبل عطية الله لنا؟ ومن نحن حتي لا نقبل منته وفضله؟ أجادت الحياة بالاستحقاق لهذا الحد أن ننازع الله في عطيته ونقول: كلا لن نقبلها؟ أين أصحاب الفهم المدعين إنهم لمدارج الكمال يرتقون، وإلي سلم الوصول منتهون.
إن المستثمرين لفكرهم في إنكار الشفاعة قديماً وحديثاً هم الجهلاء الذين يتعمدون تشويش الدين، وكفي سخرية ما نحن فيه إذ العامة لا يعرفون شيئاً في الأصول والفروع، ومع هذا يظهر بين الحين والأخر أناس يدعون العلم والفهم فيثبتون الفكر بما يقدمون من وهميات أو افتراء أو زعم باطل بدون دليل.

المحاضرة الحادية عشرة
الأخلاق الإسلامية
الأخلاق في الفكر الإسلامي
أولا: أهمية الأخلاق في الكتاب الكريم.
أكد القران الكريم على أهمية الأخلاق الفاضلة في الإنسان وتربية النفوس البشرية وتعليمها معالي الأخلاق ويمكننا ان نقف على مدى أهميه الأخلاق الفاضلة وتزكية النفس في القران الكريم من خلال هذه الايات الكريمات:قال تعالى ﭽ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯼ ﭼ آل عمران: ١٦٤
فنلاحظ ان القران الكريم قد جعل الهدف الأصلي من بعثة الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو تربية نفوس البشر وتزكيتها وتعليمها مكارم الأخلاق، بل جعل التزكية والتربية الخلقية مقدمة على تعليم الكتاب والحكمة نظرا لأهميتها البالغة، وان كان الترتيب الطبيعي يقتضي تأخير التزكية الخلقية عن التعليم ولذلك أخرت في قوله تعالى ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮅ ﭼ البقرة: ١٢٩
وقال تعالى ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ الشمس: ٩ وتدلنا هذه الايه على مدى اهتمام القران بالأخلاق حيث ورد فيها القسم بالخالق المخلوق والأرض والسماء والقمر والشمس والنفس الإنسانية _ وهو أطول قسم ورد في القران الكريم _ من اجل إثبات حقيقة واحدة وهي (ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ
وقال تعالى { ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭼ الأعلى: ١٤ - ١٥ وهنا نلاحظ انه تعالى قدم التزكية على ذكره تعالى وعلى الصلاة إيحاء منه بان الذكر والصلاة لا يمكن ان يتركان أثرهما في النفوس من دون التزكية.
نعم يحتوي القران الكريم على مقاصد عظيمة وأهداف كبيرة تهدف إلى بناء الإنسان على فضائل الأخلاق ومكارم السجايا وتدعوه نحو الكمال الروحي والتعالى الخلقي ومعرفة النفس والتاخي الاجتماعي وضبط الأخلاق على مختلف الأصعدة.
وعلى صعيد التآخي الاجتماعي والتكاتف الذي يعتبر رمزا لسمو الأخلاق يقول تعالى ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﮕ ﭼ آل عمران: ١٠٣
فيدعوا إلى نبذ التنازع والتفرقة ويعتبرها سبيل إلى الفشل ﭽ ﭔ ﭕ ﭖ ﭠ ﭼ الأنفال: ٤٦
ويحرض على التعاون ﭽ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯿ ﭼ المائدة: ٢
والاحسان للجار واكرامهم مما ينمي مكارم الخلق { والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب."
وصلة الرحم التي اعتبرها وسيلة لامتثال اوامر الله وعلامة على خشيته تعالى: والذين يصلون ما امر الله به ان يوصل ويخشون ربهم …اولئك لهم عقبى الدار."
والدفع بالتي هي أحسنﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮜ ﭼ فصلت: ٣٤
ويدعوا إلى العدالة في الحكم والقضاء بين الناس ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯴ ﭼ النساء: ٥٨ والى حسن المعاشرة الزوجية ﭽ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯰ ﭼ النساء: ١٩
ويدعوا إلى معالجة الجريمة والاعتداء على حقوق الآخرين الذي يشكل أقوى عنصر في فساد الأخلاق فكافحه بالقصاص ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ البقرة: .١٧٩
وقد أناط القران الحصول على السعادة الأبدية في الآخرة بطيب الخلق الذي من ابرز مصاديقه عدم التكبر والاستعلاء ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭼ القصص: ٨٣
وغير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة الواردة في موارد مختلفة والتي تهدف إلي تثبيت الأخلاق الحسنة بين البشر.
ويتضح من خلال ما تقدم الأهمية البالغ لمسالة الأخلاق الفاضلة في القران الكريم حتى انعكس هذا الامر على جميع قوانين وأحكام الإسلام الحنيف.
ثانيا أهمية الأخلاق في السنة الشريفة
وقد جاء التأكيد البالغ والاهتمام الكبير على هذه المسالة في سنة الرسول  ونذكر نماذج من ذلك:
قال  إنما بعثت أتتمم مكارم الأخلاق، وفي روية أخرى:إنما بعثت لآتيتم حسن الخلق، ورواية أخرى بعثت بمكارم الأخلاق ومحاسنها )
ومن الواضح أن ( إنما ) تفيد الحصر، ومنه يعلم أن الهدف من بعثته  يتلخص في تكميل محاسن الأخلاق.
ورد في الحديث عن الرسول  جعل الله سبحانه مكارم الأخلاق صلة بينه وبين عباده فحسب أحدكم أن يتمسك بخلق متصل بالله.
وقال الرسول  لجرير بن عبد الله: لقد حسن الله خلقك فاحسن خلقك الإسلام حسن الخلق.
وقال الرسول  : ما من شيء في الميزان اثقل من حسن الخلق، وقال  خياركم أحسنكم أخلاقا الذين يألفون ويولفون، وقال  عنوان صحيفة المومن حسن خلقة.
ومن هنا فالإسلام يحض على الأخلاق الحسنة والتمسك بها، ونهى عن الأخلاق الذميمة والبعد عنها، لذا كان التنبيه على أن الإسلام ينفي التلوث الخلقي فمجتمع بلا أخلاق يساوى بناء بلا أساس)
نفي الإسلام للتلوث الخلقي:
وهي حقيقة ومسلمة تفرض نفسها، وتملى علينا أن نراجع أنفسنا فيما ندرس وفيما نعلم وفيما نتصرف، والتربية سلوك قبل أن تكون مجرد معلومات نرددها دون فهم وتطبيق.
ومع كل يوم يمر علينا نجد وسائل الإعلام تطالعنا بنشر جرائم مختلفة بعضها يتمثل في التعدي على البيئة في صور مختلفة ( منها ما يتعلق بتهديد صحة المواطنين ويهدد الأمن القومي ) والسؤال لماذا كل هذا والإجابة مرجعها إلي غياب الضمير وغياب الخلق وتلوث الخلق هو الأساس في كل ما يحدث من مخالفات وحتى تتضح الحقيقة علينا أن نعرض لكم أبعادها.
يعد التلوث الخلقي من أخطر أنواع التلوث على الإطلاق، ذلك لأن مسألة السلوك الأخلاقي تعد بمثابة الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي نشاط إنساني، فهي القوة التي تنظم الحياة الاجتماعية من كل جوانبها التعبدية والتعاملية، ومن هنا فإن افتقاد الإنسان للسلوك الأخلاقي الطيب، ينعكس وبصورة سلبية على تعاملاته فربما يكون سببا في إحداث أي نوع من أنواع التلوث في البيئة التي يعيش فيها، ولأن البيئة النظيفة تحتاج إلى إنسان لديه من القيم الخلقية ما يجعله يغار على تلك البيئة ويسعى جاهدا للمحافظة عليها،باذلا جهده ووقته وماله من أجل خدمتها والدفاع عنها.
مما سبق يتضح لنا أن معيار الاهتمام بالبيئة يتمثل بالدرجة الأولى في وجود مجموعة من القيم الخلقية التي يتمثلها الإنسان ويعبر عنها في سلوكه، وعلى سبيل المثال فإن قيمة النظافة تجعل الإنسان يمتنع عن إلقاء المخلفات في الشارع أو في أي مكان من الأماكن الغير مخصصة لإلقاء تلك المخلفات، وهو على قناعة بما يفعل.
كذلك فإن الصدق كقيمة وفضيلة من الفضائل الهامة التي يتمثلها الإنسان تجعله لا يكذب أبدا مهما كانت الظروف والمبررات إلا في المواقف التي سمح فيها الشرع بالكذب والتي حددها لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهى ( الإصلاح بين المتخاصمين، وفى الحرب، والرجل على زوجته لتدوم العشرة بينهما ). وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أسماء بنت يزيد "أن رسول الله  خطب فقال: ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب كما يتتابع الفراش في النار، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب، أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها".
وعن أهمية الخلق فقد أشاد الإسلام بالخلق الحسن ودعا إلى تربيته في المسلمين وتنمية نفوسهم، وفى ذلك نجد الحق تبارك وتعالى قد أثنى على النبي  بحسن خلقه فقال: ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ القلم: ٤
أخرج أحمد وابن حبان عن ابن عمرو "أنه سمع رسول الله  يقول: "ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: أحسنكم خلقا".
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والطبراني بسند جيد عن أنس قال: "لقي رسول الله  أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فو الذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلها".
إن الأخلاق الإسلامية عنوانها الرحمة، الرحمة من الإنسان لأخيه الإنسان، والرحمة من الإنسان للحيوان فلا يجهده، أو يحمله فوق طاقته، وقصة المرأة التي نص عليها الحديث على أنها عذبت بهرتها مشهورة، فهي لم تطعمها ولا تركتها تأكل من خشخاش الأرض. والرحمة تكون من الإنسان للطبيعة فلا يعبث بثرواتها التي هي خيرات أمده الله بها. ويكفى أن نعلم بأن عدم التفريط بالثروة وصل لدرجة عدم الإسراف بالماء عند الوضوء حتى لو كان المسلم يتوضأ من ماء نهر جار، والرحمة مطلوبة أيضا من الإنسان لنفسه، فلا يطلب منه أن يحمل مالا يطيق، فالقاعدة ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﰎ ﭼ البقرة: ٢٨٦
إن الحاجة تبدو ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى للالتزام بالخلق الإسلامي من أجل الخروج بالبشرية كلها إلى ساحة الإنقاذ بعدما أفسدت الفلسفات الوضعية ذات المنحى المادي القيم في معظم الأمم المعاصرة، وشوهت صورة الأخلاق مما جعل الناس يتخبطون بما نراه اليوم من فساد، وانتشار للرذائل، وانهيار شامل في القيم والمثل.
ولقد جاءت الأديان كلها بالدعوة إلى الإعداد الخلقي للنّاس، وجعلته على قمة أهدافها التوجيهية والتربويّة، وقد أكّد الرسول  هذا المعنى في قوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ).
وأهمية الإعداد الخلقي للشباب أنّ الأخلاق مجالها الحياة كلّها، وسلوك الإنسان كلّه، وعلاقاته بربه وبنفسه وبالآخرين؛ بل وبالمخلوقات كلها.
فالإعداد الخلقي للشباب هو الذي يجعل من الصفات الحسنة، كالصدق والأمانة، والإخلاص والوفاء، والشجاعة والعفة، والمروءة والعدل وغيرها عادات في سلوك الشباب وحركته الدائبة، كما تجعله نافراً في سلوكه اليومي من الصفات السيئة، كالحسد والحقد، والخيانة والكذب، والظلم والغدر وغيرها، وبهذا الإعداد يتجنب الشباب مظاهر غير مرغوبة في السلوك الإنساني، كالحمق والتكبّر، والصلف والتهور، والخوف والجزع، وقبول الذل والمهانة، والخشونة والغلظة في معاملة المؤمنين.
إن المتأمل في واقع المجتمع في العصر الحالي ليلمس وبكل سهولة مدى التدهور الأخلاقي وانعدام العديد من القيم التي كانت تميز ذلك المجتمع، حيث نرى انتشار الكذب بصورة كبيرة وانتشار الرزيلة، بل لقد أصبح الحياء عملة نادرة، وانتشر التهور بين جموع الشباب، وغاب التوقير والاحترام داخل الأسرة، وتقطعت الأرحام، وقل الإخلاص..الخ من المظاهر التي تعبر عن التدهور الأخلاقي.
ولعل الحديث عن مظاهر التلوث البيئي والتي منها على سبيل المثال ( تلوث الماء ـ تلوث الهواء ـ التلوث الإشعاعي ـ التلوث الضوضائي) يرجع السبب المباشر في حدوثها إلى الإنسان، ولو أحسن تربيته تربية أخلاقية بمفهومها الشامل لما أقدم على فعل ذلك.
ولهذا وجب علينا أن نركز على دراسة السبب الأساسي وراء تلوث البيئة قبل أن ندرس مظاهر التلوث، والسبب المباشر في رأينا يتمثل في عدم وجود تربية أخلاقية، وبالتالي وجود تلوث خلقي.
وإذا كانت التربية تتناول قوى الإنسان وملكاته فإنّ عمل الأخلاق هو توجيه هذه الملكات والأعمال نحو الاستقامة، وجعلها عادات سلوكيّة راسخة، لذلك كله فإنّ إعداد الشباب إعدادًا خُلُقياً يحتاج إلى أن نحدّد أولاً الأهداف التي نسعى إليها ثم الوسائل الموصلة إلى الأهداف.
أ - أهداف الإعداد الخلقي للشباب:
1ـ تغيير اتجاهات الشباب النفسيّة والفكريّة المتعارضة مع السلوك الاجتماعي المرغوب فيه إلى التغيير المرغوب فيه، والمتناسب مع عقيدة المجتمع، وقيمه،ومظاهر سلوكه الخلقي؛ وهذا يقتضي إزالة التناقض بين الأنظمة والقوانين المسيّرة للحياة من ناحية، ورغبات المجتمع وتطلعاته وآماله المستمدة من عقيدته أخلاقه من ناحية أخرى حيث تعاني مجتمعاتنا من تباين القوى والعوامل المؤثرة فيه، والموجّهة لسلوك الشباب؛ حيث تتعدد الاتجاهات السلوكية وتتعارض كثيراً.
2ـ ربط التقدم الاقتصادي، والتكيّف الاجتماعي بالأخلاق، فالتقدّم الاقتصادي لا يعتمد على ما تملك الأمة من إمكانات مادية، وقوى~ بشرية متعلمة مدربة فحسب، بل على ما يتحلّى به الأفراد العاملون المنتجون من سلوك أخلاقي يحكم علاقات الإنتاج، ويحقق التعاون، ويعمق الإحساس بالمسؤولية، ويصون الحقوق العامة والخاصة، ثم ما يساعد الأفراد على زيادة التكيّف الاجتماعي والتوافق النفسي في المجتمع.
3ـ تحقيق التوازن بين القيم الأخلاقيّة النظريّة والقيم الممارسة في المجتمع، والأخذ من العادات والتقاليد بما يتمشى مع قيم الإسلام الثابتة؛ التي يتطور الناس ليرتقوا إليها وليمارسوها في صور أفضل من ممارستها في أجواء الجهل والتخلف، وهذا التوازن هو الذي يحقق ما يسمى بالتكيّف مع المتغيرات، ويساعد على إعادة النظر في العادات والتقاليد الاجتماعية لتتطابق كلها مع قيم الحياة التي يتطور الناس حولها، ويغيّرون من أساليبهم وطرقهم لملاءمتها.

ب - وسائل التغلب على التلوث الخلقــي:
البيئة الاجتماعية: حيث تبنى العلاقات بين الأفراد على أساس من السلوك الحسن والاحترام المتبادل، والتعود على الفضائل سلوكاً وتعبّداً، مثل: الإخلاص والأمانة، والمحبة والجد، والنظام والتعاون، والإخاء، والمودة والاحترام، والاعتماد على النفس، والرحمة، والشفقة وغير ذلك لتكون البيئة عاملاً موجهاً لسلوك الأفراد، وميولهم، وغرائزهم، وكل ذلك في نطاق التعاون بين بيئات التربية الثلاث: المدرسة - المسجد - المجتمع.
فالأسرة هي التي تغذي الصغار بالصفات الخلقية ا لحسنة عن طريق الممارسة اليوميّة، والسلوك الخلقي الحسن للوالدين،وترجمتهما لمعاني المسؤولية والصدق والأمانة؛ ليعرف الطفل الأخلاق سلوكاً طبيعياً عملياً قبل أن يعرفه في معانيه المجردة. أما المسجد فهو مكان ا لإشعاع الروحي والثقافي الذي يصوغ سلوك الناس فيه بما يناسبه من نقاء وطهر، وعفاف وتجرد، وانضباط والتزام.
المنهج الدراسي: وللمنهج وسائله المباشرة وغير المباشرة في تربية الأخلاق، فالدروس الخاصة بالتربية الخلقيّة والتي تهدف إلى تعلم الفضائل، وتحض على العادات الطيبة والسلوك الحسن وسائل مباشرة، أما تهيئة الجو المدرسي الذي يتبادل فيه الطلاب التجارب الحسنة، والخبرات الطيبة، ويتدربون فيها عملياً على ممارسة سلوك الفضيلة والخير والحق في بيئة اجتماعية صالحة موجهة فهذه هي الوسائل غير المباشرة أو العمليّة التي تعد أكثر نفعاً وأعظم جدوى من تعليم الأخلاق نظرياً لأنّ علم الأخلاق ودراسته شيء، وممارسته في السلوك اليومي شيء آخر.
الاتجاه العلمي في إبراز محاسن الأخلاق الفاضلة، ومضارّ السلوك السيئ في حياة الأفراد والأمم،وذلك بالاستفادة من نتائج البحوث العلمية في مجالات علم النفس والاجتماع والفلسفة والطب، والتي أثبتت آثار السلوك الحسن والسلوك السيئ بما لا يدع مجالاً للمغالطة أو الإنكار؛ وقد اعتادت الأمم أن تنشر إحصاءات مفصّلة عن الجريمة ودواعيها، والمسكرات والمخدرات، وأنواع الانحراف والشذوذ المختلفة، ونتائج ذلك كله على أوجه الحياة المختلفة، اجتماعياً، واقتصادياً، وبشرياً.
الرفقة الحسنة: إذ أن الفرد يتأثّر بمن حوله كما يتأثر بما حوله من بيئة يعيش فيها، وأسرة ينشأ فيها، ولذلك شبّه الرسول صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح ببائع المسك، والجليس السوء بنافخ الكير، فكلاهما مؤثر في صاحبه، والإنسان بطبعه مقلِّد لأصدقائه في سلوكهم ومظهرهم، وملبسهم فمعاشرة الأبرار والشجعان تكسب الفرد طباعهم وسلوكهم، بينما تكسب معاشرةُ المنحرفين الفرد انحرافهم أو تقبّل انحرافِهم.
دراسة سير الأنبياء والرسل والأبطال والنابغين في ميادين العلم والمعرفة، والقتال والحرب، وعلى رأس ذلك دراسة سيرة سيد الخًلْق  ؛ باعتباره القدوة الأولى للبشرية، لأن دراسة هذه الشخصيات هي التي تبعث الروح الخيّرة في الناشئة، وتجسّد فيهم معاني التضحية والفداء في سبيل المثل العليا، والمبادئ السامية.
كما أنّ دراسة هذه النماذج تساعد المنظمات الموجهة للشباب في تطبيق السلوك الأخلاقي والاجتماعي بما يؤكد القيم الأخلاقية المرغوبة، وبما يحقق التوازن بين عطاء الأسرة والمدرسة والمجتمع؛ في النواحي السلوكية والأخلاقية.
توحيد جهود الوسائل التربوية المتمثلة في البيت، والمدرسة، والراديو، والمسرح، والتليفزيون، والكتاب، ومنظمات الشباب، فإذا كانت المدرسة أو كان البيت قائماً بالتربية الخُلقية، والمؤسسات الأخرى تقوم بما يعكسها فلا قيمة لجهد البيت أو المدرسة.
إن المدرسة هي أخطر مؤسسات التربية أثراً في حياة الناشئة؛ لما يمكث الطالب في التعليم من سنوات اليفاعة والشباب غير أن دور المؤسسات الأخرى لا يقبل عنها؛ حيث أصبحت كلها مراكز نفوذ وتسلط، واختراق للحواجز والبيوت، المر الذي يؤكد حتمية توحيد هذه الجهود منهجاً وتخطيطاً في سبيل تربية شباب الأمة على الخُلُق الجميل، والسلوك الحسن المرغوب فيه.
المحاضرة الثانية عشرة "
الأقوال في ذم بعض الأخلاقيات السيئة
في الحسد:
الحسد هو تمنّي زوال النعمة عن المحسود، وهذه في بعض حالاتها كبيرة من الكبائر.
دعونا نتصوّر أنّ مرض الحسد قد عمّ، وبدأ كلّ حاسد يكيد لكل ذي نعمة عندئذ يعمّ الكيد ولا يسلم من شروره أحد، لأنّ كل إنسان كائد ومكيد، تصوّروا الحياة البشرية كيف تكون عندئذ.
القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته.
بيان ذم الحسد:
اعلم أن الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب فهو فرعُ فرعهِ والغضبُ أصله ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى. وقد ورد في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة: قال رسول الله  : "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". وقال  في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته: "لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً"..
بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه
اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان:
إحداهما: أن تكره دوام تلك النعمة عليه وتحب زوالها عنه، وهذه الحالة تسمى حسداً. فالحسد حدُّه كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه.
الحالة الثانية: أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهي لنفسك مثلها. وهذه تسمى غبطة، وقد تختص باسم المنافسة.
بيان أسباب الحسد والمنافسة:السبب الأول: العدواة والبغضاء، وهذا أشدّ أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفسه الحقد.
السبب الثاني: التعزز، وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره. فإذا أصاب بعض أمثاله ولايةً أو علماً أو مالاً خافَ أن يتكبر عليه وهو لا يطيق تكبره، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه، وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره، فإنه قد رضي بمساواته مثلاً، ولكن لا يرضى بالترفع عليه.
السبب الثالث: الكبر، وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستصغره ويستخدمه ويتوقع منه الانقياد له والمتابعة في أغراضه، فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل تكبره ويترفع عن متابعته، بل لربّما يتشوّف إلى مساواته أو إلى أن يترفع عليه فيعود متكبِّراً بعد أن كان متكبَّراً عليه.
السبب الرابع: التعجب، كما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة إذ قالوا: ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭵ ﭼ يس: ١٥ ، ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ المؤمنون: ٤٧ ، ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ المؤمنون: ٣٤ فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى بشر مثلهم فحسدوهم، وأحبوا زوال النبّوة عنهم جزعاً أن يفضل عليهم مَنْ هو مثلهم في الخلقة، لا عن قصد تكبر وطلب رياسة وتقدّم عداوة أو سبب آخر من سائر الأسباب، وقالوا متعجبين: ﭽ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭼ الإسراء: ٩٤ وقالوا: ﭽ ﭑ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭦ ﭼ الفرقان: ٢١ وقال تعالى: ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮨ ﭼ الأعراف: ٦٣.
السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد، وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كلّ واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عوناً له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإِخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصل به إلى مقاصد الكرامة والمال.
السبب السادس: حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غير توصل إلى مقصود. وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون إذا غلب عليه حب الثناء واستفزه الفرح بما يُمدح به من أنه واحد الدهر وفريد العصر في فنه وأنه لا نظير له، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم لساءه ذلك وأحب موته أو زوال النعمة عنه التي بها يشاركه المنزلة من شجاعة أو علم أو عبادة أو صناعة أو جمال أو ثروة أو غير ذلك مما يتفرد هو به ويفرح بسبب تفرّده، وليس السبب في هذا عداوة ولا تعزز ولا تكبر على المحسود ولا خوف من فوات مقصود سوى محض الرياسة بدعوى الانفراد.
السبب السابع: خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى، فإن هناك من لا يشتغل برئاسة وتكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم الله به عليه يشق ذلك عليه، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم وفوات مقاصدهم وتنغص عيشهم فرح به، فهو أبداً يحب الإِدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته.
بيان الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب:
اعلم أنّ الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقاً أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما. ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدّو نفسك وصديق عدوّك فارقت الحسد لا محالة.
الأمر الرابع: في الغضب الظالم
لا يخلو إنسان عن غضب، ورسول الله  كان يغضب، فأصل الغضب لا يعتبر عيباً، ولا يعتبر وجوده مرضاً، ولكن: هناك غضب في الباطل لا يصح، وهناك غضب ظالم فهذا الذي لا يصح، وهناك تسرّع في الغضب وبطء في الفيء فذلك لا يصح، وهناك تصرّفات أثناء الغضب لا يقرّها شرع أو عقل فهذا لا يصح ومن ههنا كان الكلام في الغضب يحتاج إلى تفصيل، فمن المعلوم أنّه لا يستحق السيادة إلاّ حليم، وأنّ الغضب في غير محلّه لا تستقيم معه حياة اجتماعية، ولا علاقات صحيحة، ولا يحتاج الإِنسان إلى تفكير كثير حتّى يدرك مثل هذه الأمور، مغضبة واحدة قد تفسد علاقة بين جار وجار وزوج وزوجة وبين شريك وشريك، وأخ وأخ.
غضبة واحدة قد تفسد جماعة بأسرها فتصدّع صفّها، أو تعرقل أعمالها أو تشلّ نموّها.
ونموذج الكمال في الرضا والغضب هو رسول الله  وكان من أخلاقه أنّه لا يغضب لنفسه وكان من وصفه أنّه لا تزيده شدّة الجهل عليه إلا حلماً، وهذا مقام لا يطمع فيه فكل الخلق يحلمون ضمن حدود.
وكان  يغضب إذا انتهكت حرمات الله فلا يقوم لغضبه شيء وهذا الذي يطالب به كل الخلق للقضاء على المنكر.
روى أبو هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله مرني بعمل وأقلل، قال: "لا تغضب" ثم أعاد عليه فقال: "لا تغضب" ق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://drshehata.alhamuntada.com
 
الملف السادس والأخير في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته :: قسم خاص بكلية التربية تفهنا الأشراف :: محاضرات-
انتقل الى: