الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته

لايعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف اهله
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي أنتقل الي رحمة الله تعالي الي الرفيق الاعلي فضيلة الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته وذلك يوم الاربعاء الموافق 21/11/2012

شاطر | 
 

 الملف الخامس في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى تفهنا الأشراف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د محمد
Admin


عدد المساهمات : 87
تاريخ التسجيل : 08/02/2011

مُساهمةموضوع: الملف الخامس في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى تفهنا الأشراف    الأربعاء أبريل 18, 2012 10:30 am

]color=black]الرد علي القائلين بأنه معجز بالصرفة
يقول ابن الهمام:"وليس معجزاً بالصرف عن التوجه إلي معارضته وسلبهم القدرة عند قصد ذلك خلافاً للمرتضي وغيره،وإلا كان الأنسب ترك بلاغته فإنه إذا كان غير بليغ ولم يقدروا علي معارضته كان أظهر في خرق العادة."
والناظر لأول وهلة يجد أن هذا الكلام هو بنفسه ما قاله صاحب المقاصد في شرحه للمقاصد، وقام ابن الهمام بتلخيص رأيه،وهو مآل ما ذهب إليه الأشاعرة والتحقيق موجود في كتبهم."
وأري أن القائلين بالصرفة ما ذهبوا بهذا المذهب إلا متأثرين بثقافات غربية عن الثقافة الإسلامية،وأنوه إلي كنه الثقافات الخارجة عن إطار المجتمع المسلم وهي الثقافات اليونانية المترجمة إلي عربية وكذا الهندية والفارسية التي تدعوا لمثل هذا في اعتبار كتبهم كالاوبنشياد والفيدا وغير ذلك مما يمكن درايته علي الوقوف علي ما لديهم وهو سهل منظور.
والحق أن القرآن الكريم بلغ أرقي درجات الفصاحة والبيان وتجاوزها عن هذا الإطار إلي أعلي مراحلها، وحاول العرب الإجادة للوصول إليها وتعذر عليهم ذلك وأنهم حققوا ذلك كلما سمعوا آيات القرآن تتلي عليهم،فما بالك أن كفار مكة كانوا يتمايلون ويتعجبون حينما يسمعون قوله تعالي ﭽ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭼ سورة هود/44.
ولقد صدق ابن الهمام قولاً:حين رد علي القائلين بالصرفة،بأنه لو كان القرآن بالصرفة محقق، لما جاء في أعلي درجات البلاغة والبيان، إذ عدم مجيئه كان أبلغ في خرق العادة، لكنه جاء في أرقي الدرجات بما يطيش معه القول بالصرفة،وهنا يتحقق القول: أن أوجه الإعجاز مطلقة في أمور كثيرة كالبلاغة والفصاحة والجزالة،والتحقيق والموضوعية والعرض والأسلوب والدقة،وإخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلية وجماعة للعلوم واشتماله علي العقيدة والشريعة مفصلة ومجملة،وهذا هو قول الجمهور والمحققين.
وليس اقتصار ابن الهمام علي البلاغة والجزالة والغرابة مما يدعم عدم قوله بالباقي،وإنما الحق أنه اهتم بما كان مآله إلي التحدي الحقيقي في هذه الآونة، وهذه الأسباب هي باب التحدي، فأما الأسباب التالية فهي للتحدي في الأيام القادمة إلي ما بعد عصر الرسول () فالقرآن مازال معجزة تتحدي كافة الأحناف ولا يستطيع أحد إلا أن يعلن العجز الحقيقي أنه كتاب الله حقيقة ومعجزته الخالدة.
المحاضرة الثامنة:
ثانياً: المعجزات الحسية
إن باب المعجزات الحسية هو باب من أبواب إثبات نبوة سيدنا محمد () وحقيقته ثابتة علي أمرين:
الأول: ما ذكره القرآن الكريم.
الثاني: ما روي تواتراً في السنة الصحيحة، أو من الأخبار الثابتة المروية آحاداً.
ولقد اتفق المتكلمون من الأشاعرة والماتريدية والبخارية وغيرهم وكذا المعتزلة في إثبات كثير من تلك الأدلة باعتبار محط يقينيتها العقلية في التصور، أما الأصل فهو الاتفاق علي وقوعها، ذلك أن الفرض التحقيقي أن المعجزة أساسها الإعجاز والتسليم بمقتضى قدرة الله تعالي علي تغيير نواميس الكون وخرق العوائد، ويكون ذلك علي يد نبي ادعي أنه رسول الله، فيؤيده الله بالمعجزة لتكون آية وبرهاناً قطعياً علي صدقة، وتفترق المعجزات الحسية عن السحر والطلسمات، بدقائق يعلمها أصحابه، إذ لو لم يكن هناك فرق لا لتلبس الأمر علي الحاضرين، والكثرة حينئذ علي السحر باعتبار ثباته في عرضهم.
ولما كان الحاضرون يستطيعون التمييز بين ما يفعله السحرة والعرافين، وبين ما يفعله النبي، هنا رد القول بالاشتباه بين السحر بالمعجزة، ويكفي أن ما يفعله السحرة آيته التخييل، ولقد ثبت ذلك من ذات قولهم هم واعترافاتهم، ونوه القرآن الكريم إلي ذلك، ويكأن الأمر سيطرح عند ظهور النبي، فجاءت من قبيل التسلية والتروية لقلبه،قال تعالي:{ فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعي } سورة طه/ 66
فالتحقق وقع للتفرقة بين مأثور السحر، والمعجزة الحسية، ويمكن القول بأن المعجزة الحسية جاءت تدعيماً لكافة الرسل ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ وذلك لأن محط أقوال قومهم تموج إلي إما إلي التعقل الصرف وهو قليل بل شاذ، والمطالبة حينئذ علي اقتران تفهم معني النبوة مع فهم دعوى النبوة والتصديق له في الدعوى، وأما الارتباط بالمحسوس المتغير، وهذا الجنس كثير الدعوى في كافة العصور.
ومن ثم كانت معجزات الأنبياء من هذا الجنس إلا قليلاً فهي من الجنس الأول.
والمعجزة الحسية تقع بالمشاهدة والحس، وعلي ذلك سميت حسية، وسميت معجزة لأمرين:
الأول: لأنها تحمل سمة الإعجاز في كونها أمر خارق للعادة.
الثاني: لتوافر التحدي في بعض أركانها غالباً.
وإنا إذا ذهبنا نستطلع الآراء في المعجزات الحسية التي وقعت مطلقاً، فالأغلب علي إثباتها تحقيقاً، باعتبار ثبوتها نقلاً وتواتراً، وأما ما ليس بابه التواتر، فمجاله إلي الآحاد، وقد ذكرت سابقاً وجوب العمل بالآحاد ما لم يضر في الاعتقاد، فإن ضر فتركه أولي.
ولن أطول في تلك المقدمات إذ استقراؤها يحتاج إلي أبعاد خطية كثيرة، وزمنية طويلة، وسأجعل أصل العماد علي ما ذكره ابن الهمام فيها.
يقول ابن الهمام:"ثم ما ظهر علي يديه من الخوارق كانشقاق القمر، وتسليم الحجر وسعي الشجر إليه، وحنين الجزع الذي كان يخطب عليه لما انتقل إلي المنبر عنه، ونبع الماء من بين أصابعه بالمشاهدة، وشرب القوم والإبل الكثير من الماء القليل الذي مج فيه بعد ما نزحت البئر في الحديبية، وكانوا ألفاً وأربعمائة، وأكل الجم الغفير كما في حديث أبي طلحة، وكانوا ألفاً من أقراص يأكلها رجل واحد، وإخبار الشاه المشوية بأنها مسمومة، وصح في البخاري أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يأكل، وغير ذلك."
وذكر الكثير من المعجزات الحسية كذلك في فتح القدير."ودقق في التحرير علي اعتبار القواعـد الأصولية في الإعجاز والمعجزة، في أكثر من موطن."
يقول صاحب تحفة المريد:" والمراد بالمعجزات الأمور الخارقة للعادة الظاهرة علي يده () سواء كانت مقرونة بالتحدي أم لا، فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو من عموم المجاز."ولقد طول المتباحثون في استعراض المعجزات الحسية، مع إفادة تقسيمها كل علي قدر ما يحصل له من النظر، وأخيراً تري أن المرجع لهم واحد، وقد اتفقوا علي أن كل ما جاء في القرآن الكريم من الإشهاد مطلقاً لهذه المعجزات سواء منها ما يخص الرسول محمد () أو غيره من الأنبياء السابقين، كل هذا له سمة اليقين والقطع باعتبار ثبوت التواتر لفظاً ومعني، ومن ثم فمعجزاته () الحسية الواردة في القرآن الكريم ثابتة تواتراً ولإفادته للقطع ثابتة، ولا مجال لإنكارها البتة، ويحمل علي هذا معجزاته () في هذا الصدد، فالإسراء والمعراج، وانشقاق القمر آيتان من آيات الله  جعلهم الله معجزة له () ويمكن لي القول: بأنه لما كانتا كل واحدة منهن تفيد برأسها أمراً طبيعياً، كان التواتر فيها لفظاً ومعني، وهذا التحقيق سمة الإثبات الحقيقي لهما.
فمثلاً انشقاق القمر أمر كوني شأنها كانفلاق البحر لموسي ، والانتقال بالمعراج وقبله الإسراء أمر كوني، فناسب ذلك أن يكون تواترهما أمراً قطعياً لإفادتهما لليقين، وذلك لأن تسبيح الحصى أمر ممكن لكنه لم يحدث عادة وهو أمر في اليد، وكذا كل ما من شأنه هذه السمة، أما الأمور الكونية لما كان بصعوبته التصديقيـة بها أشار إليها الحق تعالي في القرآن لإفادة اليقين والقطع.
أما غير ذلك من المعجزات الحسية فثبتت علي ما نقل عن العلماء والمحققين إما تواتراً علي هيئة المعني، أو باعتبارها أحاديث آحاد،.
وحاصل الأمر:
علمنا أن الرسول ()ادعي النبوة، وحققنا القول في أن الله تعالي أيده بالمعجزات سواء العقلية أو الحسية، وبان أن المعقول من النظر في المعجزات أنها أمور خارقة للعادة أبانها الله تعالي وأظهرها علي يديه تصديقاً له في دعواه، وبان مصدر التحدي في القرآن الكريم، وكذا مطالبة المشركين بزيادة تحقيقه ي أمور كونية زيادة في التأكيد لهم، ومنها دخل في الإسلام كثيرأً أو تعنتاً وزيادة في البهتان، ليتحقق المؤمن من الكافر، وفيها مناحي الابتلاء علي التحقق وهذا أمضي ما كان.
ونظرا لكون القرآن الكريم هو المعجزة الباقية، وما زال يدعو إلي التحدي، وأين من يظل في دائرة الزمان يدعو الناس إلي المباهلة والتحدي، ويقفون عاجزين لا يستطيعون حراكاً، إن هذا ليثبت بيقين صدقة () في أنه نبي مبلغ عن رب العزة جل في علاه.
ومن ثم فالمنكر لهذا الأمر كافر باعتبار التحقيق خاصة بعد إثبات صفة الكلام لله تعالي، وتحقيق القول بأنه كتكلم، وان القرآن كلام الله تعالي.
أما ما كان من المعجزات الحسية فما أورده ابن الهمام فيه الإشارات واضحة إلي تحقيق التواتر فيه والإجماع إحدى طرقه، وكذا المشاهدة، فالتحقيق بها أثبت وآكد، ومن ثم فلا يستطيع أحد الإنكار بحجية عدم حدوثها، إذ أنها ليست عادات يمكن أن تصح كذلك بمرور الأزمان كلا، وإنما هي خوارق للعادة في زمانها وبعد زمانها وقبل زمانها.
حقاً: إنا لم نرها لكن الإيمان بها من باب التواتر ولاعتباره من باب القطع واليقين إذ اللحوق حينئذ بالضروريات، ومنكرها مختل العقل، سقيم الفكر.
وإن من باهل العالم كله بالقرآن فحق الإثبات فيه ثبوت نبوته، وإن من تواتر عنه في الصحاح تلك المعجزات الحسية فحقه الإثبات لنبوته علي الإتمام، ولو انقطع هذا الطريق لاستحال الوجود، إذ بانقطاعه إفادة للانعدام التام للتاريخ وما فيه، وهو أمر مستحيل، إذ لا يبني الحاضر إلا علي الماضي، وأي أمة ليس لها ماضي ليس لها حاضر.
إثبات نبوته e عن طريق حاله وأخلاقه
لقد جعل المتكلمون ومنهم ابن الهمام من هذا الأمر مثاراً لتحقيق نبوته e) وإثباتها شانه شأن صاحب المقاصد والغزالي والجويني وكثير من المتكلمين من الأشاعرة والأحناف كصاحب الهداية وإبى اليسر البزدوي والبياضي وغيرهم الكثير، وعلي هذا النهج سار وسلك ابن الهمام هذا الوادي، ومن ثم فليس في المسألة كبير تحقيق إذ الرجوع إلي مصنف من المصنفات السابقة أو غيرها تجد فيها ما يفيض بالقول ويثبته علي التحقيق.
يقول ابن الهمام:" وأما حاله فما استمر عليه من الآداب الكريمة والأخلاق الشريفة التي لو أفني العمر في تهذيب النفس لم نحصل كذلك كالحلم وتمام التواضع للضعفاء بعد تمام رفعته، وانقياد الخلق له والصبر، والعفو مع الاقتدار عن المسيء إليه، ومقابلة السيئة بالحسنة، والجود، وتمام الزهد في الدنيا، والخوف من الله تعالي حتى أنه ليظهر عليه ذلك، إذا عصفت الريح ونحوه، ودوام فكره، وتجديد التوبة، والإنابة في اليوم سبعين مرة كلما بدا له من جلال الله وكبريائه قدر فيستقصر بنظره إليه ما هو فيه من القيام بشكره وطاعته، والفراغ من هوي النفس وحظوظها مما لا يقع إلا لمن استولت عليه معرفة الله تعالي حتى زهد في نفسه، حتى أنه ما انتصر لنفسه قط إلا أن تنتهك حرم الله، وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، ولعمري أن من راءه طالبا للحق لم يجنح عند مشاهدة وجهه الكريم إلي غيره لظهور شهادة طلعته المباركة بصدق لهجته، وصفاء سريرته كما قال المرتاد للحق:فما هو إلا أن رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب، وقلت في قصيدة أمتدحه بها:
إذا لحظت لحاظك منه وجــهاً ونازلت الهوي بعض النزال
شهدت الصدق والإخلاص طرا ومجموع الفضائـل في مثال
وفي أخري قلت أيضاً:
إذا لحظت لحاظك منه وجـهاً شهدت الحق يسطع منه فجراً
خلياً عن حظوظ النفس ما إن أرقت منــه يوماً قط ظفرا."
وإن ما قال به ابن الهمام قد ثبت تواتراً بالأسانيد الصحيحة حتى ما كان منها أحادا فله أكثر من طريق صحيحة حتى أصبح قدراً متواتراً مجزوماً به.
وقد يثار اعتراض مثاره كيف تتخذون من باب إثبات أخلاقه وأحواله دلالة في لإثبات نبوته (e)؟ أقول من الممكن أن يوصف آحاد الناس ببعض هذه الخصال، لكن من المستحيل أن يوصف بكلها، ومن ثم فلا تحصل هذه الصفات إلا لنبي، وفيها يقارب الكمال البشري، فالأنبياء أكمل الناس خلقاً وخلقاً.
يقول صاحب الصحائف:"الاستدلال بأخلاقه وأفعاله وأحكامه وسيرته وتركه متاع الدنيا مع اقتداره عليه فإن كل واحد وإن لم يدل علي النبوة لكن مجموعها يعلم قطعاً أنه لا يحصل إلا للأنبياء."وبما قدمه ابن الهمام من صفات متعددة حقق بمجموعها الكمال البشري المعقود، وهي صفات ثابتة اتفق عليها المسلمون قديماً وحديثاً، ولم ينكرها عليه مشركو عصره وكيف لا، وهو الأمين الصديق الذي تلفت به القلوب الأسماع والأبصار
فياله من طريق مثبت بغير عناء، ولا مشقة ولا مكابدة أقوال فلسفية، وإنما التقدير الحكمي فيها ثابت كغيرها من استدلالات ابن الهمام تواتراً بما يفيد القطع واليقين.
والحق أن تفاصيل شيمه الكريمة تستدعي مجلدات هذا كله مع العلم بأنه نشأ بين قوم لا يعلمون علماً ولا أدباً، يروون الفخر ويتهالكون عليه، والإعجاب ويتغالون فيه، معبوداتهم حظوظ النفس، لم يؤثر عنه أنه خرج عنهم إلي حبر من أهل الكتاب تردد إليه، ولا حكيم عول عليه، بل استمر بين أظهرهم إلي أن ظهر بمظهر علم واسع وحكمة بالغة، مع بقاءه علي أميته لا يقرأ ولا يكتب ]."
والناظر في هذه الأمور يجدها تثبت تفرده بخصال ندر من يستقيها أو يتبعها، وهي عند التحقيق لا تكون إلا لنبي، ومن ذاك فالقياس يثبت أنه بها يمكن إثبات نبوته (e) لتحقق التواتر فيها، والإجماع، واعتبارها ثوابت أشار إليها القرآن وإلي جماعها قال تعالي ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭼ القلم: ٤


المحاضرة التاسعة :
السمعيات
إثبـــــات البعث
ثبت بالدليل الساطع والبرهان القاطع أن سؤال الملكين وعذاب القبر أو نعيمه حق وثابت أرشدت إليه الآيات الكريمات، وإن مساطع براهين العقول تؤيده، وإن دفعة التعقل لها واردة مورد التأكيد والتثبيت، لما أشارت إليه الآيات والأحاديث الصحيحة، بحيث لا تعدو مصاقع العقول التحير فيها أو الإنكار أو الرفض لها.
فثبت بيقين أن مآل هذا الأمر إلي طلاقة القدرة الإلهية التي تحكم بالكون أو العدم، فدفعة التأثير ثابتة واردة، ولا مجال لإنكارها، ومن ثم حدث الإجماع علي هذا الأمر، ومعلوم أن الإجماع طريقه إلي القطع واليقين آكد وأثبت، ولا يهم تخاذل بعض المعتزلة والخوارج وإنكارهم، لأن شذوذهم عن الإجماع لا يقدح في الإجماع، إذ شروط الإجماع واضحة، وكذا ثبوت التواتر لفظاً ومعني علي ما جاءت به الآيات القرآنية ومعرفتها علي هيئة الإحكام ثابتة، والآية المحكمة ثابتة قطعية في إثبات مدلولها، وبابها التخصيص، والحكم حينئذ هو القطع فيما أشارت إليه وأرشدت إليه، كذا الأحاديث النبوية المتواترة، وما جاء عن الصحابة  تفسيراً ورأياً.
وبهذا فمن أنكر سؤال الملكين أو عذاب القبر ونعيمه فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، وكفر بذلك الإنكار.
ولقد أخبرنا الشارع الحكيم أن الإنسان يظل في قبره تعاود الروح البدن دون تلبس، فيتآكل الجسد ويتلاشى إلا عجب الذنب، ومنه يركب الخلق كما قال الرسول ()في الحديث النبوي { كل ابن آدم يفني إلا عجب الذنب منه يركب الخلق}ويظل وضع الحياة قائماً حتي تقوم الساعة، ويمتثل الناس قياماً لرب العالمين للحساب، أمداً بعيداً ومسافة غير سهلة، وطريقاً غير مأمونة غوائله، فعند تصور المسألة تصوراً عقلياً، يغيض العقل في ساحات اضطراب كثيرة كيف وأين ومتي، وإلي أين ومن أين؟ والأسئلة كثيرة، وكلما سأل الإنسان نفسه سؤالاً وجد الحيرة تقترب أكثر فأكثر، ولا يدفع هذه الحيرة، إلا التثبيت واليقين ولا يقين بغير إيمان ووثوق، ومصدر الإيمان والوثوق هو اللوز بالسمع وما فيه وما يحويه ويرشد إليه.
ومقصدي من هذا الإثبات لنفسي أولاً أن الغيب غيب مهما حاول الإنسان فك رموزه، أو الوصول فيه إلي تعقل أكثر، وإني إذ أسير في خضم هذا الأمر لا أجد ملاذاً يأويني غير آيات ربي، وأحاديث رسولي () مع أني لا اعلم لم كل هذا القلق وهذه الحيرة، وربما يتراءي للبعض أنه لا ضرورة للقلق حين الحديث في هذا الشأن ولكن هذا لا يعنيني.
حقاً إنني أصور المسألة تصويراً بحثياً، وهذا كل ما في الأمر، غير أني لا أنظر للمسألة من هذه الناحية فقط، إذ لها عندي أبعاد كثيرة أدقها أنها عقيدتي التي أرتبط ببنيانها وأحققها في ذاتي وأقرأها علي الناس علهم يفيقون إليها، ويبحثون عنها، وليعلم القارئ أنني ما انتهيت إلي رأي إلا وهو معتقدي الديني، الذي هو الرباط الحقيقي لي وما انتهيت إليه في رحلة بحثي عن العقيدة، وربما أتصادم ببعض أقوال لي مع غيري غير أني متمسك بنوابع الدليل، وقواطع البراهين ليس لي إلا ذاك، وهي جميل طوق عنقي به هذا البحث الذي بدأته، ولا أعلم إلي أين تكون النهاية؟ فجاءت النهاية علي ما أري اعتقاداً هو حقيقة ما أبلغه، ويقيناً هو دقة ما اصبوا إليه ومهما يكن من أمر فشأن هذا أن يترك لمطلق النهاية، وهناك تكون النتائج.
وغير خاف أن أمر البعث والمعاد قد اختلف فيه العلماء من المتكلمين وغيرهم علي أقوال كثيرة سأراعى عند عرضي لها أن أجعل الانطلاق مهيئاً من فكر ثابت، ومنطق معلوم، وفي نهاية الأمر أحدد معالم الفكر في المعاد، وكما هو الأمر يكون البدء في عرض المفاهيم الخاصة.
المعاد بين اللغة والاصطلاح
لقد ترادفت ألفاظ كثيرة تقرر حقيقة المعاد اللغوي حتي أصبح من الممكن الاستئثار بأحدها عن الأخرى، فالنشر والبعث والمعاد ألفاظ ثلاثة كل منها يعبر عن مقصود حقيقة الآخر.
المعاد معناه الرجوع ويطلق حقيقة علي الرجوع إلي الحياة بعد الموت، ولئن حققنا الألفاظ الثلاثة لوجدنا معانيها واحدة، وفي هذا إشارة واحدة إلي أن البحث في أحدها يشمل الجميع، ومن ثم فلا غرو أن نتناول إحداها بالوضع الاصطلاحي تفصيلاً، وسأجعل الاقتصار علي لفظ المعاد تتابعاً اصطلاحياً:
المعاد في اصطلاح المتكلمين
أولاً: في اصطلاح أهل السنة والجماعة:
يقول الإمام الرازي: والمعتبر في الحشر والنشر إعادة الأجزاء الأصلية، لا إعادة الأجزاء الفاضلة، والأجزاء الأصلية لكل مكلف، أجزاءاً فاضلة بالنسبة إلي غيره."
أما صاحب المقاصد فقال:"المعاد مصدر ومكان، وحقيقة العود: توجه الشيء إلي ما كان عليه، والمراد هاهنا الرجوع إلي الوجود بعد الفناء، أو رجوع أجزاء البدن إلي الاجتماع بعد التفرق،وإلي الحياة بعد الموت،والأرواح إلي الأبدان بعد المفارقة."
وقال البيجوري:البعث هو عبارة عن إحياء الموتي وإخراجهم من قبورهم بعد جمع الأجزاء الأصلية،وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلي آخره،ولو قطعت قبل موته،بخلاف التي ليس من شأنهـا ذلك كالظفر."
وهذه المفاهيم الاصطلاحية تشير بدقيق اللفظ إلي الجمع بين مترادفات الكلمة كالبعث والمعاد والنشر،وأشباهها،مما يؤدي إلي القول بأن كلاً منهم إطلاق يراد به غيره من المعاني، ومن ثم يمكن القول بأن ما سبق من تعريفات قد وضعت في حسابها إشارة لتحقيق معاد جسماني،ويرشد اعتباره إما عن عدم أو عن تفريق،وهذا هو المأمول في التعريفات الاصطلاحية،إذ تشمل في جوانبها دقائق الموضوع.
ولئن كان هؤلاء الكثرة من العلماء ذهبوا إلي القول بالترادف بين تلك الألفاظ السابقة،فإنا لا نعدم أيضاً من يذهب إلي التفريق مثلما فعل عبد الكريم الخطيب حين قال:"كان من بلاغة التعبير القرآني،ومن بلاغة إعجازه استعمال كلمة البعث في معناها الشرعي الدال علي بعث الحياة في الأموات يوم النشور ليكون من مدلولها أن البعث ليس متولداً من ذاته إذ لابد من باعث ومبعوث،والمبعوث لا يكون مبعوث من ذاته،ولا يكون باعثاً أو مساوياً للباعث في مقامه وإنما هو متحرك ومرسل بمحرك ومرسل له.
وأما المعاد في اللغة فمشتق من العود …وحقيقة العود للمكان أو الحال الذي كان علية الشئ أو فيه ثم زايله فعاد إليه كما كان أولاً …وهو في لسان الشرع:عود إلي الحياة الأولي بعد الموت."
وإن كان هناك ملاحظة مما سبق في فروق لكنها لا تنفي المرادفة النسبية فبينها ترادف مع ملاحظة تلك الفروق.
وهذا الرأي مرجوح باعتبار اتفاق العلماء علي أن البعث والنشر والمعاد ألفاظ مترادفة،ومن ثم فالمتفق عليه هو: إحياء الله والموتي وإخراجهم من قبورهم بعد إعادة أجسامهم وإعادة الأرواح إلي تلك الأجساد،وإليه ذهب ابن الهمام في المسايرة."
وبعد الوقوف علي المفاهيم الاصطلاحية وإرجاعها إلي مفهوم واحد علينا إن نعرض المذاهب الواردة في البعث والمعاد.
المذاهب الواردة في المعاد
اتفق الباحثون علي أن للمعاد في تصور الناس مذاهب خمسة تقع بين الإثبات والنفي، وأهل الإثبات تقع مذاهبهم بين الروح والجسد وهكذا.
المذهب الأول: أكثر المتكلمين علي أن المعاد هو المعاد الجسماني.
المذهب الثاني:أكثر الفلاسفة علي أن المعاد هو المعاد الروحي.
المذهب الثالث:قول المحققين علي أن المعاد هو المعاد الروحاني والجسماني معاً.
المذهب الرابع:قدماء الفلاسفة كطاليس وغيره الإنكار مطلقاً.
المذهب الخامس:قول جالبنيوس وهو التوقف حيث لم يبن له أن النفس شئ غير المزاج،كما قال الإيجي والتفتازاني."
ولئن عولنا علي تصوير ما ذهبوا إليه لوجدنا الكلام واقعاً بين الإثبات والإنكار،ومن نافله القول أن اعرض وجهة النظر الخاصة بكل فريق ليكون التسلسل موجوداً ثابتاً واقعاً علي محطة ورحله.
أولاً: المنكرون للمعاد مطلقاً:والمتحقق في فهم هؤلاء للمعاد هو: النظرة المادية البحتة، فلقد أنكروا الخالق أصلاً، ومن ثم أنكروا كل ما يترتب علي ذلك، وربطوا الأمر برباط المحسوس، ولم يتخيلوا أبداً دواعي المعقول أو المعنويات،كل ما لهم هو القول بالطبيعة، فوجود الإنسان طبيعي، ووجود الكون طبيعي،وإذا كانوا بهذا الفهم فمن باب أولي أن ينكروا القول بالإعادة.
وأنه لما حاول الهنود التحرر من ربقة المادة وقعوا في التناسخ،والأصل عند الماديين مطلقاً إنكار البعث وما يترتب عليه مطلقاً، ويمثل هذا الفريق الأوائل من اليونانبن،والدهريين وكل ما له اتصال بالمادة علي أبعادها، كالشيوعية والوجودية وأدعياء الشياطين وعبدتهم.
ويمكن القول بأن من يمثل هذا الأمر قديماً:طاليس الذاهب إلي أن اصل الكون هو الماء وإنكسمندريس الذاهب إلي أن أصل الكون اللامتناهي المقترن بالمادة،وانكسمانس الذاهب بأن أصل الكون الهواء،وهيراقلطيس الذهب بأن أصل الكون هو النار،وغيرهم من الطبيعيين المتأخرين اللذين يتخذون من المادة وما يتصل بها من المحسوس أصلاً يمكن لنا أن نقوم بالأمر عليه مطلقاً.
ولقد حقق القرآن الكريم علامات هذا المذهب مشيراً إلي أن الذاهبين إلي ذلك لا نهوض لهم في تصورهم إلا بمقدار قياسات باطلة محطها المادة،ورحلها المحسوس، وأساسها المتغير.
قال تعالي ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ الأنعام: ٢٩ ويعقب الزمخشري شارحاً المقصود بالآية قائلاً:كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله.
وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلي الدهر والزمان،وتري أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ومنها قوله (){ لا تسبوا الدهر،فإن الله هو الدهر}."،والمعني أن الله تعالي خالق الدهر وخالق ما أحدثه الدهر ولكنهم ينكرون كل هذا، فينكرون الفعل الخالق، وينكرون الاختيار في الفعل، ويصلون بالفعل إلي الطبيعة وأمرهم هو الضرورة،وهؤلاء كثرة بزغت قديماً،ولها صلة بموجب الاتصال حديثاً،غير أنا نري السعد التفتازاني يركز علي الطبيعيين من الفلاسفة قديماً وقد تناول العرب اللذين نزعوا إلي الإنكار فأشار إليهم،وتواصل العلماء من بعده في تصوير دقيق لهذا المبدأ.
يقول التفتازاني:"قال الفلاسفة الطبيعيون اللذين لا يعتد برأيهم في المسألة ولا في الفلسفة أنه لا معاد للبشر أصلاً،زعماً منهم أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس بما له من المزاج والقوي والاعراض،وأن ذلك يفني بالموت وزوال الحياة،ولا يبقي إلا المواد العنصرية المتفرقة وأنه لا إعادة للمعدوم،وفي هذا المذهب تكذيب للعقل علي ما يراه المحققون من الفلاسفة وللشرع علي ما يراه المحققون من أهل الملة." ويبدوا أن الإمام السعد ركز عليهم باعتبار أنهم أصحاب مقولة متبادلة،تحملها صحف منقولة كما أنها كانت بعيدة عن البيئة العربية الإسلامية قديماً،فلما اقترب منها أراد أن يبين موقفه منها، أما أهل الإنكار من غيرهم مع اشتراكهم معهم فلم يكونوا بعيدين عن البيئة العربية وكانت أفكارهم داخلها مطروحة،وأري أن القرآن الكريم قد حسم الأمر حينما تحدث عنهم بل أنه ذكر مقولاتهم خاصة قوله تعالي ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﮂ ﭼ الجاثية: ٢٤.
يقول أحد الباحثين: "وهذا الاتجاه قد ظهر من قديم الزمن،وقد انتشر طوال العصور المختلفة قديماً وحديثاً لا سيما في المجتمعات التي سيطرت عليها الحياة المادية،ولم يختلف كثيراً عن الفكرة والاتجاه الذي ظهر في بداية أيام اليونان،وإن اختلف في كيفيات التعبير والتسمية عنها،كما عند الماديين المحدثين،وكل من يتخذ الإلحاد مذهباً،فمثل هذا الاتجاه المنكر للمبدأ والعلة والحقيقة،فإنكارهم لغاية الحياة والمعاد لا غرابة فيه،لأنه ليس في تصورهم الحياة بعد الموت."
ولئن عولنا علي التحقيق فيما عليه المنكرين لوجدنا أن المسألة مبنية علي ربط المعقول أصلاً،وهؤلاء لا غرار لهم ولا يقين إلا في المحسوس،وهذا الكلام يفضي إلي جنون القائل،إذ بهذا الرفض ينكر شطر الحياة مطلقاً،إذ الحياة تبني علي المعقول كشطر متحقق مبناه العقل، والمحسوس كشطر واقع مبناه الحس، فلئن رفض المعقول لحساب المحسوس فهو البطلان بعينه وكفاهم هذا القول.
وأما المتوقف في الحكم فشأنه شأن المنكرين لأنه لم يستبين الحق فيعول عليه،وأما الباطل فيبني عليه،ولكنه توقف في أمر ما كان له يد في التوقف،ومآله في الشك والشك علي طوله إنكار إن لم يكن مذهبياً.
ثانياً:المثبتون للمعاد: أجمع المسلمون علي شتي فرقهم علي ثبوت المعاد وأنه جائز عقلاً،وأخبر السمع بوقوعه وثبت حكمه بأنه مما علم بالضرورة.
يقول ابن الهمام:وانعقد الإجماع علي كفر من أنكره جوازاً أو وقوعاً،وتكررت الآيات الدالة عليه حتى صار مما علم بالضرورة."
وثبوت الإجماع علي هذا النحو إنما يعبر عن ثقة وثيقة بمبادئ التحقيق الأصولي والكلامي،المتصل بالعقائد الثابتة،فالبعث أو المعاد ثابت عقدياً،ذلك أنه محط الثواب والعقاب،هذا فيما يتعلق بالبعث كناحية إثباتية لم يتخاذل عن ذلك المسلمون بجميع طوائفهم اللهم إلا الكرامية،وهم طائفة من الشيعة تغالوا في ذلك فخرجوا عن ربقة الإسلام كما هو قول المحققين من العلماء،وبعض المعتزلة والفلاسفة اللذين تعلقوا بالفيض والعشق والارتباط بالماديات والمحسوسات،وعلقوا الأوضاع حين النظر إلي المعقول علي أوضاع الفلك وحساباته.
ومن منطلق الإجماع أسس المعاد علي الإجماع الشرعي إذ يؤول الأمر في السمعيات إليه،ولئن جنح البعض إلي العقل،لكن بابه في مجال السمعيات منحصر وضيق،اللهم إلا مراعاة الحسن وما فيه:
ولئن نظرنا إلي أصول المسألة خاصة عند المثبتين لتبين لنا فروق عدة منها:
أولاً:المعاد الجسماني، أم روحاني؟
ثانياً:الوجوب في المعاد عقلي أم سمعي؟
ثالثاً:المعاد الجسماني عن تفريق أم عن عدم محض؟
ومن هذه المنطلقات علق الكلاميون علي المسألة تعليقاً يروم بدائرتها ويحقق أصولها،وبها استضاءوا في عرض المسألة عرضاً يتفق وكلامهم ومذهبهم،ولنبدأ أولاً بتحقيق مناط الأدلة في إثبات المعاد.
أدلـة إثبات المعــاد
لقد عول ابن الهمام كواحد من المتكلمين والأصوليين علي الأدلة السمعية باعتبار مطلق كلام أهل السنة ومذهبهم واستند في ذلك إلي الآيات القرآنية المفيدة للمعاد صراحة،وهي:
قال تعالي ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭻ ﭼ الأنبياء: ١٠٤ قال تعالي ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ القيامة: ٤٠.قال تعالي ﭽ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐﰑ ﰖ ﭼ لقمان: ٢٨.
قال تعالي ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭤ ﭼ النساء: ٨٧ قال تعالي ﭽ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭼ الأنعام: ٣٨ قال تعالي ﭽ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﮁ ﭼ الروم: ٢٧.
ولقد اتخذ ابن الهمام من هذه الآيات أدلة ثابتة في تحقيق ثبوت المعاد سمعاً،فهو من أصحاب الرأي القائل: بأن وجوب المعاد سمعي لتحقق الأخبار به سمعاً،ومن ثم خالف المعتزلة لذهابهم إلي القول بوجوب المعاد عقلاً فقال: " وأوجبه المعتزلة عقلاً بناء علي إيجابهم ثواب المطيع وعقاب العاصي،وعندنا وجوب وقوعه لإخباره به فقط سمعاً.".
ومن ثم فسآتي علي الأدلة التي استند إليها ابن الهمام لنحقق مناطها أصولياً،ومعلوم أن الآيات القرآنية مطلقاً ثبت تواترها لفظاً ومعني وهي من هذا الباب قطعية الثبوت،بقي أن ننظر في قطعية الدلالة،ويمكن لنا أن ندلل أصولياً علي الوجوب السمعي الذي أورده ابن الهمام في الآيات القرآنية فنقول:
الدليل الأول:قال تعالي ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭻ ﭼ.
يقول صاحب الكشاف: ﭽ ﭱ ﭲ ﭻ ﭼ مفعول لفعل محذوف تقديره: والتقدير نعيد أول خلق نعيده،والكاف مكفوفة بما كافة،والمعني نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً لإعادة بالابتداء.
فإن قلت ما بال خلق منكراً؟ قلت هو قولك: أول رجل جائني زيد،تريد أول الرجال ولكنك وجدته ونكرته إرادة تفصيله رجلاً رجلاً،فكذلك معني أول الخلق بمعني أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع." والزمخشري يتحدث عن مبدأ المعاد نفسه دون أن يتعرض لتفاصيل.
وقال الرازي:وعداً علينا فيه قولان:
إحداهما:إن وعداً مصدر مؤكد لأن قوله نعيده عدة للإعادة.
الثاني:أن يكون المراد حقاً علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه مع أن وقوع ما علم الله وقوعه واجب،ثم أنه تعالي حقق ذلك بقوله تعالي ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ الأنبياء: ١٠٤ أي سنفعل ذلك لا محالة،وهو تأكيد لما ذكره من الوعد."وهذا مما يدل علي قطعية الدلالة،ولقد اشتملت الآية الكريمة علي [ما ] المصدرية وهي من ألفاظ العموم والتقدير [كبدئنا] والجمع المنكر [خلق ] وهو من ألفاظ العموم أيضاً،ومعلوم أن العام لفظ يستغرق الصالح له بلاحق،فإذا أضيف العموم في [ما ] والجمع المنكر للتأكيد وعداً علينا،لبان أن الألفاظ قطعية في ثبوت الإعادة حقيقة،وليس ذلك ببعيد،واقترنت المسالة بالقدرة في قوله تعالي [فاعلين] تحقيقاً وبالعلم في قوله [بدأنا ] وتحقيق الإعادة من عدم وهو أمر تحدث فيه الأصوليون علي ما ورد في ألفاظ العموم وقطعيتها في إفادة اليقين.
وإذا ثبت ذلك فالآية حينئذ مفادها الثبوت والقطع لا علي هيئة التواتر فقط ولكن ضمن لهذا التواتر تحقيق الألفاظ ومدلولها،أي تضامن السمع مع مقتضيات اللغة،ومفهوم العقل،فالآية واضحة في إبانة المقصود،والقاعدة الأصولية تقول إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ومن ثم فابن الهمام حينما نظر إلي هذه الآية واتخذها دليلاً ثابتاً على المعاد،حقق أصول المسألة كلامياً وأصولياً فبان له دقة الاتصال الواضح بينهما،وأري أن هذه الآية الكريمة مبناها في التدليل علي الآتي.
أولاً:احتوائها علي ألفاظ العموم وسبيلها إلي القطع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثانياً:المسألة برمتها لا تخرج عن الجواز العقلي،ولأن قدرة الله تعم الممكنات والأمر ممكن فهي لا تخرج عن القدرة الإلهية.
ثالثاً: أنه لما كان العلم الإلهي صفة انكشاف فالمسألة متصلة بهذا التصور داخلة في العلم الإلهي.
رابعاً:هذه الآية محكمة أي ليس فيها ما يدعوا للتأويل أو النسخ أو التبديل،وهي قرآن ثابت متواتر لفظاً ومعني،وإنها من أبواب إثبات نبوة سيدنا محمد () المعجزة كهذه الآية معجزة في أصلها وذلك لأن المعاد مغيب مستقبلي ثبت بالعقل حقيقة،فإثبات نبوة سيدنا محمد وإثبات كون المعجزة دليلاً علي تلك النبوة دليل واضح في إثبات حقيقة تلك الآية وما ترمي وتومئ إليه.
خامساً:هذه الآية لها اتصال بالحسن والقبح الشرعيان إذ الاتصال سمعي علي ما هو المعول عليه أصلاً.
ولقد علق ابن كثير علي هذه الآية قائلاً:هو معاد لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً كما بدأهم فهو القادر علي إعادتهم وذلك واجب الوقوع لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل،وهو القادر علي هذا،ولهذا قال ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ وقال الإمام أحمد:حدثنا وكيع وأبو جعفر عبيدة قالوا:محشورون إلي الله تعالي  {حفاه عراه كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين}."
وأنه لما كان ابن الهمام قد عرض لهذه الآية والمسألة في إطار السمعيات وحقه أن يبين دلالة الآية ولم يفعل هذا وجه معيب عليه فيه.
الدليل الثاني ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼسورة القيامة.
لقد اعتبر ابن الهمام هذه الآية دليلاً ثابتاً في إثبات المعاد خاصة للملي الذي ثبت عنده وتحقق لديه إثبات نبوة سيدنا محمد () وبناء علي ذلك القطع والإحكام،والآية ختام لسورة القيامة التي أفاضت تصوير القيامة وما يحدث فيها،مبينة علاماتها وأوصافها الذاتية، والاستفهام الوارد في الآية الكريمة استفهام تقريري واضح في أنه يقرر تلك الحقيقة المطلقة التي عبرت عنها الصورة كاملة إذا أردنا أن نؤصل هذه الآية مع علم الأصول فنرجع إلي ما يقول صاحب غاية الوصول المتأثر بالكمال ابن الهمام يقول:" وإن دخول الاستفهام علي ليس التي هي من أخوات كان وهي نافية تفيد تعميم الحكم وهذا مبدأ أصولي علي ما ذهب إليه صاحب غاية الوصول وغيره.
والآية إثبات واضح للمعاد متعلقة بقدرة الله تعالي،فالذي به يبرق البصر ويخسف القمر،والآيات الكونية كلها ما هي إلا أثر من آثاره العليا،كل هذه الأمور تشهد بالدقة في التصميم والروعة في الإبداع وليس البعث والمعاد إلا من هذا القبيل،فمن شهد لله تعالي بالقدرة المطلقة شهد له بتحقيق البعث،ذلك أن الذي خلق أولاً قادر علي أن يعيد الخلق ثانياً وثالثاً،وقدرته تعالي واضحة معالمها وبناء علي إثبات القدرة أصلاً بني ابن الهمام قضية البعث لما ذكره في التحرير والمسايرة.
الدليل الثالث: ﭽ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐﰑ ﰖ ﭼ لقمان: ٢٨ والناظر في هذه الآية يراها إجابة عن سؤال متوجه من البعض يحمل صيغة الاستبعاد،فجاء الجواب يحمل سمة الإنكار علي السائل،ذلك أن التكثير المفروض في الخلق لا يفضي إلي عجز الخالق أبداً مهما كان،لأن خلق الكثرة أمراً قضي وانتهي،وبعثهم ليس أبعد من خلقهم،فالخلق للكثرة المفروضة وبعثهم كخلق نفس واحدة،وبعثها غاية في السهولة،وفيها بيان بقدرة الله تعالي وعلمه؛يقول الإمام الرازي:" إنه لما بين كمال قدرته تعالي وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم للحشر فقال { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ومن لا تعاد لكلماته يقول للموتي [كونوا فيكونوا ]." مبني الآية علي الأحكام والتقرير،والعموم[ فما] مصدرية والتقدير خلقكم وبعثكم كخلق نفس واحدة وبعثها لا يعوق الخالق تعالي في شئ،وإن دلالة الآية علي البعث حقيقة ليس فيها ما يدعوا إلي التأويل أو استخدام المجاز.
وحاصل الأمر: لقد اتخذ المتكلمون والأصوليون من تلك الآيات ركائز ثابتة في إثبات المعاد وأنه حق، فاستخدموا في ذلك الدليل النقلي واقتصروا علي القرآن الكريم لا لشئ إلا لأن أوجه الطعن فيه منعدمة،وكانت لمحة خاطفة فالقرآن معجزة ثابتة للرسول محمد ()فاتخذوا منها ما يؤكد ذلك،ولو أن تتبعنا حلقات المعاد لوجدنا أن هذا إخبار بمغيبات مستقبلية،وهي في ذلك أوجه ثابتة في إثبات نبوة سيدنا محمد () وقد ساق هذا الطريق البزدوي من قبل ابن الهمام."
فاتخاذ آيات القرآن دليلاً ثابتاً علي المعاد، يمثل الرجوع إلي التمسك باليقين المفهوم مبنياً علي فهم الخطاب اللاحق به،فالحكم خطاب الله تعالي،وأنه لا يدرك حكم الله إلا من الله تعالي،ولو أنا رجعنا إلي فائدة علم الأصول لبان لنا بتحقيق أن الفائدة هي العلم بأحكام الله تعالي وما يستمد منها،والمعاد استمداد من أحكام الله تعالي،فثبوته لاحق لإثبات كلام الله تعالي،وقد أثبتنا ذلك بما لا يدع مجالا لشك أو غيره.
وبهذا يلحق المعاد وإثباته المطلق بالحكم الإلهي فهو الباعث للأجساد من الرقاد بعد الموت والفناء،هذه واحدة.
[/color]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://drshehata.alhamuntada.com
 
الملف الخامس في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى تفهنا الأشراف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته :: قسم خاص بكلية التربية تفهنا الأشراف :: محاضرات-
انتقل الى: