الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته

لايعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف اهله
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي أنتقل الي رحمة الله تعالي الي الرفيق الاعلي فضيلة الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته وذلك يوم الاربعاء الموافق 21/11/2012

شاطر | 
 

 الملف الرابع في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د محمد
Admin


عدد المساهمات : 87
تاريخ التسجيل : 08/02/2011

مُساهمةموضوع: الملف الرابع في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف    الأربعاء أبريل 18, 2012 10:26 am

المحاضرة السابعة
إثبات نبوته 
يقول صاحب المسايرة:" نشهد أن محمداً رسول الله، أرسله الله إلي الخلق أجمعين خاتما للنبيين وناسخاً لما قبله من الشرائع، لأنه ادعي النبوة وأظهر المعجزة، وأما دعواه النبوة فقطعي لا يحتمل التشكيك.
وأراه يقرر حقيقة المعتقد الإيماني للشهادة الثانية بعد تحقيق الشهادة الأولي وهي أنه [ لا إله إلا الله ] بالأدلة والبراهين العلمية المتضمنة للأصول الفقهية والتفسيرات الأصولية، والتعليقات الكلامية، والمقدمات المنطقية، وبعد التحقيق في الشهادة الأولي، أراد أن يحقق الشهادة الثانية، وما بين الاعتقاد والعمل، إذ بكليهما يتحقق اليقين وهو المنشود أصلاً.
فقال:"[ نشهد أن محمداً رسول الله] وقرر هذا الأصل بناء علي تلك المقدمات وهي:.
أولاً: عموم رسالته () إلي الخلق أجمعين.
ثانياً: كونه خاتم النبيين والمرسلين.
ثالثاً:كونه ناسخاً لشرع من قبله ليتوحد العالم علي شهادة واحدة إذ فيها الإكمال والاكتمال.
هذا ما يتعلق بالإشهاد، وهو جانب ثان بعد إثبات النبوة بالتحقيق وسنأتي علي بعض ذلك في حينه، بما يتلائم مع متضمنات بحثنا،
والسؤال: كيف نثبت نبوته () من هذا الطريق؟
يقول ابن الهمام:" وإثبات نبوته  لأنه ادعي النبوة وأظهر الله المعجزة علي يديه، إذا فهناك بابان في الإثبات، وأضاف ثالثاً حين الكلام وهم:
الأول:كونه ادعي النبوة. الثاني: أن الله أجري المعجزة علي يديه.
ثالثاً: الأحوال والأخلاق، والتقرير ، وهذا هو الأصل في البحث كما سبقت الإشارة.
الأول: إدعاؤه () للنبوة
يقول ابن الهمام:"وأما ادعاؤه النبوة فقطعي لا يحتمل التشكيك، لأنه قد تواتر تواتراً ألحقه بالعيان والمشاهدة."وهذا مبلـغ كلام المتكلمين جميعاً من أهل السنة والمعتزلة."
وابن الهمام في ذلك يري أن الرسول () ادعي النبوة فقال للناس جميعاً: إني رسول الله إليكم، ومجرد الدعوى خبر يحتمل الصدق والكذب، وإن تحوله من مجرد الدعوى إلي التحقيق والقطع يحتاج إلي برهان صادق لتأييد تلك الدعوى، وابن الهمام كغيره يعول علي المسألة دون أن يبلغ التحقيق المطلوب فيها، ويبدوا أنه قنع بما قدمه الأوائل في المسألة حتي جعل منه محلاً للإثبات والتحقيق.
ومن ثم اتفق المسلمون جميعاً علي أن دعوى النبوة من محمد () متواترة تواتراً لا محيد عنه، وقد يعترض علينا في هذا الأمر باعتبار عدم وجود ضمانات يمكن الاستناد في معرفة صحة الادعاء من عدمه، والعلة أنه يمكن أن يكون قد مر وقت لم يعلم بهذا الادعاء إلا شخص واحد، أو أشخاص معدودون لا يقوم بهم التواتر.
والحق أنا لا ندعي أن التواتر متعلق بأحوال الرواة وعددهم وصدقهم، بل إن علم التواتر ضروري، خلقه الله تعالي ابتداء من غير موجب وجعله حجة علي عباده في معرفة أنبيائه، فالعلم بوجود الأنبياء ضروري، لأنا نجد أنفسنا مضطرين إلي العلم بهم، ومن أنكر ذلك مكابراً نازلاً منـزلة من أنكر علمه بوجود المحسوسات، بل ربما يجعل حصول العلم الضروري دليلاً علي أن أحوال الرواة في كل الأزمنة كحالهم في زماننا هذا.
وتيقنت المسألة وتأيدت بالتواتر أولاً، والإجماع ثانياً، وكما اتفقنا أن باب الإجماع لا سبيل إلي رده بل القطع فيه ثابت،كما أن التواتر يفيد اليقين والقطع والقطع، فالبابان مؤديان إلي القطع،ولا يخالف فيها إلا مكابر معاند.
ويبدوا أن هذا التحقيق هو الذي دفعه إلي قوله:"انه تواتر تواتراً ألحقه بالعيان والمشاهدة حينئذ تقرر أن الدعوى قد أصبحت يقينية فلا مفر من التسليم بها، وطالما ثبت هذا الأمر فلنعمد إلي إثبات الطرف الثاني وهو أن الله تعالي أجري المعجزة علي يديه، وهذا يقتضي تفصيلاً في باب المعجزات.
الثاني: المعجــزات وحجيتها في الاستدلال على دعوى النبوة
لقد اتفق العلماء علي أن المعجزة مشتقة من الإعجاز، وحقيقته إثبات العجز في الغير، ثم استعمل في لازمه وهو إظهاره، فالمعجزة معناها الأصلي مظهرة العجز، ثم نقلت للأمر الخارق الذي هو سبب في إظهار العجز، والتاء في معجزة للنقل من الوصفية إلي الاسمية.
وإيضاح ذلك أن المؤنث فرع المذكر، فجعلت التاء فيه لتدل علي الفرعية، كذلك المنقول لما كان فرعاً عن المنقول عنه جعلت فيه التاء للدلالة علي النقل."وقيل إن الهاء للمبالغة لا للتأنيث."
والتحقيق أنها للتأنيث، وإن كانت المبالغة من بابها، ذلك أن اللغة العربية تتسع لقبول اللفظ ومشتقاته من [أعجز] و[عجز] و[إعجاز]و[يعجز] و[معجوز] و[عاجز]، وهكذا فاللفظة من الثراء بالمشتقات بحيث يترادف الألفاظ تبعاً لكثرة الاشتقاق.
ولئن نظرنا إلي المعجزة من حيث ارتباطها بالرسول، فإنا نري: الآمر بالمعجزة، وفاعل المعجزة، وذات المعجزة، والناظرين لها.
والأصل في المعجزة أنها باب في إثبات النبوة، وتحققها إنما يكون بالتحدي، وأري أن كل ما جاء من باب التحدي وبعد النبوة فهو معجزة، وكل ما جاء من غير باب التحدي قبل النبوة فهو دلالة تأكيدية علي مساندة الله تعالي لرسوله وهي من علامات النبوة وتسمي الإرهاص، فارقاً بين معجزة التحدي بعد النبوة، وعلامة النبوة التي ثبتت عن الرسول قبل النبوة في غير التحدي.
وينقل ابن الهمام عن السهيلي قوله:"وقول السهيلي في هذه المعجزات الحسية إنها علامة لا معجزة، بناء علي عدم اقترانها بدعوى النبوة ليس بذاك، فإنه منسحب عليه دعوى النبوة من حين ابتدائها إلي أن توفاه الله تعالي، كأنه في كل ساعة يستأنفها، فكل ما وقع له كان معجزة، وكأنه يقول في كل ساعة إني رسول الله وهذا دليل صدقي."وهو وجه حسن ولكن لا أميل إليه.
وإن ما ذكرته من كون المعجزة يجب النظر فيها إلي أحوال أربعة:
الأول: حال الآمر الحقيقي، وهو الله تعالي جل جلاله.
الثاني: حال الفاعل بعد الطلب، وهو رسول الله ()
الثالث:حال الفعل وهو، ذات المعجزة.
الرابع: حال المخاطبين وهم المقصودون بالعجز.
وكوني أقول بالآمر الحقيقي وهو الله تعالي، باعتبار أن المعجزة أمر من الله تعالي، يثبت به الفعل من الرسول () بتثبيت داعية الفعل نفسه، والمسألة برمتها ترجع إلي استناد الأفعال كلها إلي الفاعل المختار، كما هو الأصل في القدرة الإلهية، وكذا في عموم قوله تعالي ﭽ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮙ ﭼ الزمر: ٦٢
ولقد ربط صاحب المسايرة مطلق الأمر بمسألة الحاكم فقال: أنه لا حاكم إلا الله تعالي، علي ما أبان في التحرير وشرح فاتح القدير.
يقول الآمدي:"المعجزة في الوضع مأخوذة من العجز وهو في الحقيقة لا يطلق علي غير الله تعالي، لكونه خالق العجز، وإن سمينا غيره معجزاً[ الرسول ] باعتبار الفعل، كما في فلق البحر، وإحياء الموتي، فذلك إنما هو من باب التجوز والتوسع، من كونه سبب ظهور الإعجاز وهو الإنباء عن امتناع المعارضة،لا الإنباء عن العجز عن الإتيان بتلك المعجزة كما يتوهمه بعض الناس، فإن ذلك مما لا يتصور العجز عنه حقيقة، فإن دخلت تحت قدرته فلا عجز، وإن لم تدخل تحت قدرته فالعجز عما لا يدخل تحت القدرة أيضاً ممتنع، فإن قيل إنه معجوز عنه فليس إلا بطريق التوسع لا غير."
يقول أحد الباحثين معلقاً علي هذا:"وهو بهذا ينسب الفعل إلي فاعله وتلك قاعدة أهل السنة من أن الفاعل في الحقيقة هو الله تعالي، وإنما يجري الله فعله علي سبيل الإعجاز، علي من أراد له أن يعجز غيره عن مماثلته، وأعني به المعارضة بالمثل، ثم هو يشير إلي أن الممتنع ليس هو الإتيان، وإنما هو امتناع المعارضة في حد ذاتها."
وإن هذا الأمر قد أثار شجون أهل الاصطلاح فتغايرت تعريفات المعجزة اصطلاحا تبعاً لما تصوره كل حسب مذهبه، فمنهم من ذهب إلي أنها أمر، والبعض إلي أنها فعل، وآخرون إلي إنها قول، وليست المسألة مجرد ألفاظ، إذ كل حسب تحقيق الكلام مع سياق المذهب، وسأسوق بعض التعريفات لتأكيد هذا الأمر:
يقول الأشعري: المعجزة هي فعل من الله تعالي، أو قائم مقام الفعل، يقصد بمثله التصديق." وذهب القاضي عبد الجبار إلي أنها الفعل الذي يدل علي صدق المدعي للنبوة."وقال البغدادي هي أمر خارق للعادة يخلقه الله علي يد مدعي النبوة والرسالة تصديقاً له في دعواه مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، وعجز جميع الناس عن الإتيان بمثله، وأن يكون المعجز موافقاً لدعوى النبي في دعواه، وأن يتم ذلك في زمان التكليف واتفق معه التفتازاني في أنها أمر، ولكنه اختصر التعريف بحيث ضمنه علي ما أوجب في شرح المقاصد فقال:" هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة."
وقد اتفق علي هذا التعريف الأصوليون كما نوه ابن الهمام في المسايرة."وبه قال الشعراني في اليواقيت والجواهر."
وأميل إلي أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، فالأمر أعم من الفعل، وكذا القول، إذ يشملها وغيرها، فإن من اقتصر علي كون المعجزة فعل جعل الأصل هو التحقق من الإقدام الفعلي علي الشيء، فأخرج كل ما كان غير فعل كالأخبار عن مغيبات ماضية أو مستقبلية، وقال صاحب حاشية علي أم البراهين:" ومن اقتصر عليه جعل عدم إحراق النار لإبراهيم هو صيرورة الجسم علي ما كان عليه قبل الاحتراق، وحدوث تغيير فسيولوجي في جسم الشخص القابل للإحراق، جعله يتغير من الوضع القائم فبه باستعداده للإحراق إلي وضع يخالف طبيعة الجسد البشري."
والتحقيق أن القول والفعل جزءان داخلان في الأمر، فالأخبار بالأمر بناء علي الشمول كما سبق التحقيق.
وحاول بعض المحدثين وضع تعريفات كما ذهب فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي إلى أنها خرق لنواميس الكون، يعطيها الله سبحانه رسله، تؤيدهم السماء وتنصرهم."
وقال الشيخ عبد الكريم الخطيب:" هي حدث فريد يجري علي غير مألوف الحياة، ويخرج علي ما بين الأسباب والمسببات من تلازم."
وإن ما ذهب إليه المحدثون من التعريفات إنما هو اعتبار من اعتبارات كونها أمراً أو فعلاً، أو قولاً، ومع هذا فإني أري أن ما ذهبوا إليه هو وصف للمعجزة لا تعريف لها.
ولقد جعل صاحب المسايرة من كونها أمر دلالة علي ما ذهب إليه من التثبيت علي كونها أمر، وهو ما ذهب إليه المحققون علي ما سبقت الإشارة فقال:"ولا نعني بالمعجزة إلا أنها أمر خارق للعادة مقرون بدعوى النبوة للتحدي."
وحاصل الأمر: إن الذاهبين إلي كونها فعل الله تعالي، قد نظروا إلي اعتبار مطلق عموم قوله تعالي: ﭽ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮙ ﭼ وعمموا الآية في كافة الأفعال الإنسانية، ومنها المعجزة فجعلوها فعلا خالصاً لله تعالي علي الحقيقة، واكتفوا بذلك.
فأما الذاهبون إلي كونها قول، فإنهم نظروا إلي الفاعل الممارس لها المنظور إليه وهو الرسول، واكتفوا بكون المسألة مقترنة بالفعل الاختياري، ووضعوا لذاتية الرسول وذاته تخصيص في محل الفعل، فالرسول قد خلق الله تعالي فيه تلك الذاتية، ومنها يستطيع القول فتنخرق النواميس، وهذا الكلام غير متوافق مع مذهب أهل السنة في الأفعال، وأري بطلانه ظاهر.
وأما الذاهبون إلي كونها أمر فهؤلاء قد انقدحت في أذهانهم فكرة الارادة الجزئية، بمعني وجود الأصل لله تعالي فهو الخالق له، ووجود فعل للرسول فيتضامن الأمران، وذلك لم للرسول من خاصية في التبليغ، لكن لا يكون إلا بإذن من الله تعالي، ووجه ترجيحه أنه يقف في الوسط بين المذهبين السابقين، وقد حقق ابن الهمام هذا المبدأ قائلاً:" ووجه دلالتها أنها لما كانت مما يعجز عنه الخلق لم تكن إلا فعلاً لله تعالي، فمهما جعلها بينة علي صدقه ينقل عن الله وهو معني التحدي، فأوجده الله كان ذلك تصديقا له من الله تعالي."
وهذا بشأنه يذكرنا بالكلام في أفعال العباد الاختيارية إذ الصلة تحقيقية جد وثيقة بالمبدأ الأصلي، وهو الحاكمية علي نحو ما قررنا من كون الحاكم هو الشرع.
وغير خاف أن هذا يذكرنا:أن المعجزة متصلة بالله من حيث مطلق الأمر، وبالرسول من حيث الفعل وبذات المعجزة من حيث الوصف.
ولقد وضع العلماء شروطاً للمعجزة تتحقق عندها وهي:
1-أن تكــون فعـلا لله تعالي. 2-أن تكون خارقــة للـعادة.
3-أن يتعذر علي الناس معارضتها. 4-أن تكون ظاهرة علي يد مدعي النبوة.
5-أن تكون مقرونـــة بالتحدي. 6-أن تكون موافقــــة للدعوى.
7-أن تكون في زمن العـــادات. وقال البعض أن تظهر قبل قيام الساعة."
هذا وإن إثبات المعجزة من أقوي الدلائل في إثبات النبوة إذا تحققت المعجزة بشروطها، وأنه لا يمكن القدح في المعجزات باعتبارها مخالفة لنواميس الكون، والمخالفة غير ثابتة باعتبار عدم التحقيق في زماننا، وقد حاول البعض الإجابة علي هذا بالقول: إن مستحدثات العلم تثبت ذلك بما لا يمنع من تصور المعجزات [ كالطائرة، والصاروخ، والإشعاعات الحاملة، والكمبيوتر، والليزر ].
أقول: إن هذه الأمور ممكنة التحقيق باعتبار الوجود، وهي ليست من خوارق العادات المقصودة في المعجزات، وأنه إذا كانت غرائب المخترعات فيها نفثة التفكير في كيف كان؟ لكنه أمر داع للاستغراب لحظة فلحظة، وسرعان ما يصبح عادة، أما المعجزة فلا يمكن القول بأنها من الممكن أن تنقلب عادة، فمن ذا الذي يقول إن انفلاق البحر بعصا من الخشب لا حول لها ولا قوة عادة، ومن ذا الذي يقول إن انشقاق القمر عادة، العادة هي خسوف القمر، وكسوف الشمس لتحقق وقوعهما بالإمكان، ويعرف ذلك بالحسابات الفلكية.
فالمعجزة إذاً هي خرق لنواميس الكون، ولا يمكن أن تصحب العاديات، باعتبار أنها قائمة مقام [ صدق عبدي في كل ما يبلغ عني ] ولو كان الأمر بالعادات لدخل الشك في التبليغ وقت ما، وهذا هو الشاهد عند علماء الكلام والأصول، للقول بأن المعجزة باب من أقوي الأبواب في إثبات النبوة، وابن الهمام يجعل للمعجزة تعلق بالأفعال الإلهية باعتبار الأمر الإلهي، وإن نص كلامه أن إدعاء النبوة بلا معجز ساقط، لأن الكلام في التجويز العقلي." ومعلوم أنه يجعل باب النبوات تابعاً للأفعال الإلهية خاصة للتحسين والتقبيح الشرعيان، ومن ناحية التجويز العقلي، فثابتة بالمعجزة وبابها معلوم، وأما التجويز الشرعي فهو باب من أقوي الأبواب، ومن ثم كان التعويل عليها، وكلامه دقيق في المسألة يحتاج إلي دقة من الرؤية والنظر، وعقب صاحب التقرير علي ما ذكره ابن الهمام بقوله:" القرآن فلأنه من أعظم المعجزات الدالة علي صدق النبي ()، فالدواعي متوفرة، فحكمت العادة بكون إثباته قطعياً، وأما ادعاؤه للنبوة، فلأن العادة تحيل صدق مدعيها بغير معجزة دالة علي صدقه، لأنها أمر في نهاية العظمة، وغاية الندرة، والطباع.
يقول أحد الباحثين:" وتعتبر المعجزة من أقوي طرق إثبات النبوة، وذلك لأنها تقوم مقام الشاهد المصدق لدعوة الرسول، وليس هناك شهادة أعلي من شهادة الله ، لأنها تفيد اليقين والقطع بصحة النبوة."
وأنه لا يمكن إنكار المعجزات بحجة أن أقوي طرق نقلها التواتر، والتواتر لا يفيد اليقين، لأن القول بهذه الطريقة يفيد جنوح القائل، إذ القدح في المتواترات قدح في الضروريات علي ما أبانه علماء الكلام والأصول. وقد سبقت الإشارة لذلك.
إذا فالمعجزة باب من أبواب إثبات النبوة مطلقاً لكن ليست هي الباب الوحيد في الإثبات، أما نبوة سيدنا محمد () فدعواه للنبوة ثابتة، وإجراء الله المعجزات علي يديه واقع، وسنفصل في أنواعها بعد بيان، وجه دلالة المعجزة علي صدق الرسول، لشدة ارتباطها بما نحن بصدده.
الثالث:وجه دلالة المعجزة علي صدق الرسول ()
يقول ابن الهمام:" ووجه دلالتها أنها لما كانت مما يعجز عنها الخلق لم تكن إلا فعلا لله سبحانه، فمهما جعلها بينة علي صدقة فيما ينقل عن الله، فهو معني التحدي، فأوجده الله تعالي، كان ذلك تصديقا له من الله تعالي، وذلك كالقائم بين الملك مقبلاً علي قوم يدعي أنه رسول الملك إليهم، فإنه إذا قال للملك إن كنت صادقا فيما نقلت عنك فقم علي سريرك علي خلاف عادتك ففعل، حصل للحاضرين علم قطعي بأنه صدقه بمنـزلة قوله صدقت."
واعتبر ابن الهمام المعجزة ووجه دلالتها بمثابة [ صدق عبدي في كل ما يبلغ عني ] ذلك أن الرسول يقول لقومه: أنا رسول الله إليكم، وهنا يطالبوه بالدليل فيقول: علامة صدقي هذه المعجزة، ويأتي بأمر لم يعهدوه، فكونه ادعي النبوة، وجرت المعجزة علي وفق دعواه وناظرهم بالتحدي فهذا باب ثابت في إثبات النبوة.
ولا يقال إن المثال المضروب لا يصح، لأن المثال للظن، وباب الاعتقادات القطع، لأن المثال للتمثيل لا للتدليل، فالتدليل واضح في التواتر، ونقل المعجزات عن طريقه، وقد تابع ابن الهمام في هذا الأمر الكثير."وتابعه الكثير." وقد سار ابن الهمام على ما سار عليه السعد التفتازاني في شرح المقاصد.
وأن ظهور المعجزة علي وفق دعواه ينفي احتمالية الكذب علي الله تعالي،وينفي احتمالية الدعوى الغير مؤيدة بالدليل،إذاً فالتحقيق علي أن المعجزة باب قوي في الإثبات للنبوة،للأنبياء مطلقاً،وهي باب في إثبات نبوة سيدنا محمد ()وإن دلالتها علي ما ذهب المحققون عقلية يقينية لا كما ذهب الأشاعرة إلي كونها عادية،إذ قولهم هذا يرمي إلي جواز تخلفها.
ولقد حقق ابن الهمام كون المعجزة تعني خرق العادة فقال في التحرير تحت مفهوم العلم: " فدخل العادي وهو ما موجبة العادة، وهو فعل المختار علي سبيل الدوام،كعلمنا بأن الجبل الذي شاهدناه فيما مضى أنه حجر، هو في حال غيبتنا عنه حجر أيضاً،أي لم ينقلب ذهباً في نفس الأمر لأنه يصدق علي هذا العلم أنه حكم لا يحتمل طرفاه نقيضه، وهو الحكم بكونه ذهباً في نفس الأمر عندنا لموجب وهو العادة المستمرة أن ما شوهد حجراً في وقت فهو كذلك دائماً، وإن كان كون الجبل ذهباً في هذه الحالة ممكناً لذاته، لأن إمكان كون الجبل ذهباً لا يمنع الجزم بنقيضه، أي كون الجبل ذهباً وهو الحكم بكونه حجراً في هذه الحالة في نفس الأمر.
واعلم أن جعل نقيض كون الجبل حجراً كونه ذهباً وبالعكس،تسامح مشهور،وافقناهم في التقرير عليه لعدم الخلل في المقصود،وإلا فنقيض كون الجبل حجراً إنما هو كونه غير حجر، وكونه ذهباً أخص من نقيضه، ونقيض كونه ذهباً كونه غير ذهباً،وكونه حجراً أخص من نقيضه هذا كما هو المعول عليه عند المناطقة في اعتبار النقيض وهي قواعد مستوفاة في علم المنطق.
والحق أن إمكان خرق العادة الموجبة لكون الجبل السابق مشاهدة حجريته حجراً بأن يصير ذهباً في نفس الأمر الآن أي في حال الغيبة عنه،وهو أي والحال إن الإمكان المذكور ثابت في هذه الحالة في حق الجبل،ومن ثمت كانت العادة قابلة للانخراق بكرامة ولي،كما تقبله بمعجزة نبي."
والحقيقة أن خرق العادة ممكن عقلاً،وموصل للقطع بأن من قامت علي يديه نبياً حقاً،وإذا ثبت هذا فما هي أقسام المعجزة الدالة علي إثبات نبوة سيدنا محمد ().
الرابع:المعجزات وأقسامها
لقد اتفق المتكلمون الأصوليين علي أن للمعجزات أقساماً معينة حددوها في التالي:
أولا:ً معجزات عقلية. ثانياً:معجزات حسية
وهذا مآل اتفاق بين الجمهور وإن كان البعض قد سعي إلي تقسيمها باعتبارات أخري كالقولية والفعلية والإرشادية والعملية،وهكذا،ولكن الحق أن ما ذهب إليه هؤلاء إنما هو بمثابة جعل الفرع أصل،وتثبيته علي ذلك ليس بالصحيح المضطرد.
أما التقسيم الوارد أصلاً فهو الثابت،فالمعجزات العقلية وهو ما كان الإشهاد فيها عقلاً، واتفقوا علي أنها القرآن الكريم، إذ هو المعجزة الباقية علي طول الزمن، ويمكن القول حينئذ بأن التوراة الأصلية غير المحرفة معجزة عقلية،وكذا الإنجيل الصحيح،حقاً إنهم قد أصابهم التحريف والتبديل، ويمكن الاعتراض بالقول طالما أن المعجزة عقلية متصلة بالعقل فيجب ثباتها بحيث تحمل سمة الإعجاز كما في القرآن الكريم مثلاً، وثبت هذا القول يؤيد أن القرآن فقط هو الحامل لتلك السمة، وهذا وجه جيد في الكلام غير أن الحمل لا يمكن علي هذا المحمل، إنما الأصل في أن كلام الله كله يحمل سمة الإعجاز، لكن ثبت ذلك في القرآن بتدعيم الله له حيث تكفل بحفظه ورعايته فقال ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ الحجر: ٩
وإلا ثبتت استطاعة اليهود معارضة التوراة ولم يحصل، واستطاعة النصاري معارضة الإنجيل ولم يحصل، وإنما الحاصل بالنسبة لهم هو عدم المعارضة والاتجاه إلي التحريف، سواء كان بالتبديل أو الزيادة والنقصان، ودعوى التحريف ثابتة شكلاً وموضوعاً، وأنهم حينما خلطوا كتابهم بما ليس فيه تعاظم عليهم ذلك، وشعروا أنه سينفضح أمرهم بادروا بتأليف كتاب وقالوا هذا كتابنا.
فليست سمة الإعجاز تحمل دوام الثبت تاريخياً وإنما الإعجاز هو كونه كلام الله تعالي المخالف لكلام البشر،ونظراً لكون الله تعالي قد تكفل بحفظ القرآن الكريم، فباب الحفظ يتضامن مع باب الإعجاز، باعتبار إعجاز البقاء، وإن كان هو في أصله معجزة.
وأما المعجزات الحسية: ويندرج تحتها أغلب معجزات الأنبياء والرسل وتنقسم إلي أنواع ثلاثة:
قول فعل ترك.
أما المعجزات القولية:فتشتمل علي إخبار الأنبياء والرسل من المغيبات فيدخل فيها إخبار عيسى عن المائدة، وإخبار يوسف عن المجاعة وتأويل الرؤية، وقول يعقوب لبنيه وغير ذلك.
وأما الفعلية الحسية ( الفعلية ): فهي سمة اشتراك عام بين الرسل جميعاً كقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وتغيير اليد، وإبراء الأكمه والأبرص،وإحياء الموتي دون آلة، وتصوير الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه فيصير طيراً بإذن الله،وغير ذلك مما حكاه القرآن الكريم واستفاض فيه.
وأما الترك:كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم، وعدم ذبح السكين وقطعها لسيدنا إسماعيل،وهذه الأنواع وجه اتفاق بين أهل السنة إلا من شذ منهم.
وسأفصل الكلام في هذا الأمر سائراً علي ما قرر مدعماً الرأي بغيره من كتب الكلام.
أولاً:القرآن الكريم:
نظر علماء الكلام إلي إعجاز القرآن الكريم من نواحي ثلاثة:
أولاً: كونه محفوظاً وتكفل الله تعالي بحفظه،ولذا ثبت علي الدوام زمناً.
ثانياً: أوجه الإعجاز فيه.
ثالثاً:الرد علي القائلين بأنه معجزة بالصرفة.
أولاً: كونه محفوظ بحفظ الله تعالي ورعايته
يقول ابن الهمام:وأما القرآن فهو المعجزة العقلية التي يهدي إلي إعجازها العقل لمن كان عارفاً بطرق البلاغة، أو كانت البلاغة له سليقة،ومع كون المعجز عنه معقولاً فهو منقول أيضاً عمن قصد المعارضة ممن سولت له نفسه ذلك، فأقر بالعجز مع كونه من فرسان البلاغة، ومنهم من أتي بما فضح به نفسه عند أبناء جنسه كما لا يخفي علي من ألم بالتواريخ وهو المعجزة الباقية علي طوال الزمان."
يقول ابن أبي الشريف معقباً علي ذلك بقوله:"فالقرآن هو المعجزة العقلية التي يهدي إلي إعجازها العقل لمن كان عارفاً بطرق البلاغة،أو كانت البلاغة له سليقة،ومع كون المعجزة عنه معقلاً فهو منقول أيضاً عمن قصد المعارضة ممن سولت له نفسه فأقر بالعجز مع كونه من فرسان البلاغة،ومنهم من أتي بما فضح به نفسه عند أبناء جنسه كمسيلمة الكذاب حين قال:[ الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل ]وكما لا يخفي علي من ألم بالتواريخ وهو المعجزة الباقية علي طوال الزمان."
فالعقل يهدي إلي ذلك خاصة وأن المعارضة قد حدثت وعارضوا فيها لكن لتأصيل الإعجاز والمعجزة أقروا بعجزهم،مع أن التحدي وقع في أخص دقائقهم مما كانوا به يتفاخرون،ومع تحقق عجز هؤلاء حاول البعض أن ينشر بعضاً من تحدياته فقوبل بالعجز.
فهذا أسلوب من الأساليب المبتذلة حيث يحاول صاحبه معارضة القرآن فكانت النتيجة أن فضح نفسه في كافة الأوساط العلمية والزمنية، وجاء تحديه شاهد عليه فهذا قوله:[يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين،أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين ]، إلي غير ذلك من السفسفات اللفظية التي لا تساوي جناح بعوضه،عن المتحدين، وإن من نظر حق النظر إلي القرآن الكريم لوجد أن الله تعالي قد أعطي لحفظ القرآن الكريم وسائل معينة منها:
أولاً:عدم عجلة الرسول () في تلقيه من الوحي.
ثانياً:التواتر والتحدي. ثالثاً:توافر الصحابة علي حفظه. رابعاً:تدوينه.
خامساً:سهولة حفظه علي الصغير،وامتناع غيره من الكتب مهما كان.
سادساً:تناوله للأحكام العملية والتشريعية والفقهية والاعتقادية والعلمية،بما يجعل الباب مفتوحاً لكل العلماء للبحث فيه واستنطاق آياته.
وفوق كل ذلك اعتبار مجرد الأمر الإلهي بالحفظ والرعاية منه تعالي ومن ثم يضامن هذه الأسباب بعضها لبعض ويقر غيرها في الصدور والقلوب حتى إذا ما جاء الوقت الذي فيه يرفع من الصدور والسطور رفعه ومحاه، ويصبح الرجل يفكر في آية فلا يجدها فيهرع إلي المصحف فيجده خلواً من سطوره المكتوبة وحينئذ تقوم الساعة.
وأري أن هذه الأوجه ثابتة في رعاية هذا الأصل،وتحتاج إلي مؤلفات كثيرة لتقريرها،لكن الإشارة أولي من الاستطراد،مراعاة لمقتضى الحال.
الأولي قال تعالي ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭼ سورة القيامة /16-19.
لقد جعل الله تعالي هذه السمة من المقومات الثابتة في تلقي الرسول () للقرآن،وهي من الأساسيات والركائز في حفظ الله تعالي للقرآن علي الظاهر،حيث يتلقى الرسول () ذلك من الوحي بتؤدة حقيقية تحقيقاً للارتباط بالعزم المصمم،أو الفعل الاختياري، وإلا لو كان الأمر بالجبر مباشرة لكان الإنزال علي القلب هكذا، وما كان لنـزول الوحي فائدة، فيكون الرسول من مقامه وقد نقش في قلبه القرآن مثلاً،لكن هذه الآيات تبين دخل الرسول في شئ ما لحفظه للقرآن، ومن ثم تبليغه، حقاً إن حفظه مقرون بالتثبيت لقوله،وعدم النسيان قال تعالي ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭼ سورة الأعلي/6.
لكن المقصود إبراز التعليم لأمته () بعدم الاستعجال والعجلة في التلقي حين يؤدي المطلوب خير أداء، ويتحقق المقصود حق التكرمة.
وإن هذه الآية فيها بيان لبشرية الرسول () حيث أبانت مدي حرصه علي التلقي،هنا جاء التنبيه،أنت حريص علي التلقي ونحن نعلم مدي حرصك هذا،لكن العجلة غير مطلوبة في هذا التلقي،فهون علي نفسك ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭤ ﭼ سورة طه/ 114.
قال الإمام الرازي:روي أنه عليه السلام كان يخاف من أن يفوته من القرآن شئ،فيقرأ مع الملك،فأمره بأن يسكت حال قراءة الملك،ثم يأخذ بعد فراغه في القراءة فكأنه تعالي شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين،ويبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي وأنه موصوف بالإحسان والرحمة،ومن كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي،وإذا حصل الأمان عن السهو والنسيان قال ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭤ ﭼ " ولا يمكن حمل الاستعجال في القراءة علي كونه ذنباً،بحجة أن الاستعجال إن كان بإذن الله تعالي فكيف نهاه عنه، وإن كان لا بإذن الله تعالي فقد صدر عنه الذنب ومعني ذلك مخالفة العصمة.
والجواب أن النسخ للحكم جائز كما قرره علماء الأصول والكلام، ولعل ذلك الاستعجال كان مأذوناً فيه إلي وقت النهي عنه،ولا يبعد أن يكون الشيء مأذوناً في وقت ثم يصير منهياً عنه في وقت آخر.
إذاً فأول مقدم في حفظ الله للقرآن عدم عجلة الرسول ()في تلقي الوحي من عند الله تعالي، لتأكيد قاعدة التثبيت ﭽ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﰀ ﭼ الفرقان: ٣٢
الثانية:التواتر والتحدي
وتواتر القرآن الكريم أمر مجمع عليه من المسلمين جميعاً إلا من شذ من طوائف الشيعة اللذين زعموا التحريف،يقول الباقلاني: إن الأصل في إثبات نبوة الرسول () من خلال القرآن كونه معجزة متواترة، فيجب أن نعلم أولاً أن القرآن الذي هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف هو الذي جاء به النبي ()، وأنه هو الذي تلاه علي من في عصره ثلاثاً وعشرين سنة، والطريق إلي معرفة ذلك هو النقل المتواتر الذي يقع عنده العلم الضروري."
وإن وجه التواتر قد اتفق عليه الجميع فألحق بالبداهة،ولا يستطيع أحد إنكار ذلك إلا مخالف لبدائه العقل مجنون في خطله،ذلك أن المتواتر هو ما رواه جمع عن جمع عن جمع يؤمن عند العقل تواطؤهم علي الكذب، وهذا النقل قد ثبت ومن ثم يضاف التواتر إلي ما سبق من كون القرآن محفوظا بالتواتر.
كذا من أبواب حفظ القرآن التحدي، ذلك أنا نقول: المعجزة مقارنة للتحدي وقلنا: إن القرآن معجزة،فمن سماته الأساسية التحدي، وهو ثابت ضمن آياته حكاية عن الأحوال الماضية، وأنه لما أثبتنا كونه متواتراً فتواتره علي ما أثبت العلماء بدون مخالف ثابت لفظاً ومعني، وهذا يعني أن كل ما جاء ضمن آياته إنما يفيد اليقين والقطع بأنه من عند الله وحياً ثابتاً.
وإن كونه ينقل التحدي،فالصدق لازم له، واليقين أصل فيه، ولا يستطيع أن ينكر ذلك عاقل مهما كان، ضف إلي ذلك أنه ثبت في المراجع والمصنفات الكثيرة وقوع روايات التحدي، ونقلت بعضها كما جاء عن مسيلمة الكذاب أنه عارض سورة الفيل بقوله: [الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل] وكان يقول:[يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين،أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين ] وهكذا فالتحدي ثابت ومنقول وإن كان تحدي علي طريقة السخف.
وإن وصف التحدي ثابت في القرآن الكريم ذلك أنه تحداهم أن يأتوا بمثله وقرعهم علي ترك الإتيان به طول السنين فلم يأتوا بذلك، قال تعالي ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭼ البقرة /23،24.
ولما ثبت التحدي وصفاً بالعجز التام عن المعارضة الكلية،أبرز جزء آخر من المعارضة وهي المعارضة الجزئية،فقال تعالي ﭽ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ سورة هود /13،14.
وهنا قد تحقق أيضاً العجز عن المعارضة الجزئية فوبخهم علي ذلك وقرعهم، وأبان أنهم عجزوا عن التحدي بعشر سور،فهل لهم أن يقبلوا التحدي في سورة واحدة فيه،واستخدم ذلك زيادة في الإمعان لإبراز مدي التعجيز الشامل لهم شئ من جنس ما برعوا فيه، ومع ذلك لم يستطيعوا مع توفر دواعي التحدي وملكاته،قال تعالي ﭽ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ يونس /38.
وقد تحقق العجز الكامل، مع توافر الدواعي للتحدي،وبقي القرآن مشيراً إلي زمام التحدي إلي يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد اهتم الباقلاني كغيره ممن سبقوه بقضية التحدي، واهتم بها ممن أعقبوه،لكنه أولاها عناية خاصة، فقال مصوراً هذا الأمر:"والذي ذهب إليه عامة أصحابنا وهو قول أبي الحسن الأشعري في كتبه: أن أقل ما يعجز عنه من القرآن سورة قصيرة كانت أو طويلة أو ما كان بقدرها، قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت سورة الكوثر فذلك معجز، قال: ولم يقم دليل علي عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر.
وذهبت المعتزلة إلي أن كل سورة برأسها هي معجزة،وقد حكي عنهم نحو قولنا،إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة بل شرط الآية الكثيرة،وقد علمنا أنه تحداهم تحدياً إلي السور كلها ولم يخص،ولم يأتوا الشئ منها بمثل،فعلم أن جميع ذلك معجزة،وأما قوله  ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ الطور /34.. فليس بمخالف لهذا، لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه."
ومما سبق يبين أن وصف القرآن بكونه متواتراً، أمر قطعي الدلالة لا محيص عنه والوصف بأنه تحدى العرب فعجزوا،نقل أيضاً بالتواتر بما يفيد القطعية في الباب وهنا تتحقق وصفية حفظ الله تعالي له، وهذا معلوم تماماً في كافة مصنفات كتب الكلام والأصول علي حد سواء.
وهذا يلوح لي أن اعرض ما قاله الرازي في قوله تعالي ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ الحجر /9. لارتباطها بالموضوع تمام الارتباط باعتبارها الدليل المحرك للقاعدة بأكملها.
قال الرازي فإن قيل: فلماذا اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالي بحفظه،وما حفظه الله فلا خوف عليهم.
والجواب:أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالي إياه فإنه تعالي لما أن حفظه قيضهم لذلك.
قال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية علي كون التسمية آية من أول كل سورة،لأن الله تعالي قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معني له إلا أن يبقي مصوناً عن الزيادة والنقصان، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصوناً عن التغيير،ولما كان محفوظاً عن الزيادة، ولو جاز أن يضن بالصحابة أنهم ذادوا لجاز أيضاً أن يظن بهم النقصان، وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة.
ويمكن السؤال الآن كيف يحفظ القرآن؟
قال بعضهم:حفظه بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر وعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان عنه.
لأنهم لو ذادوا فيه أو نقصوا عنه لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن،فصار كونه معجزاً كإحاطة السور بالمدينة،لأنه يحصنها ويحفظها.
وقال آخرون:إنه تعالي صانه وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق علي معارضته.
وقال آخرون:أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده أنه قيض له جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه فيما بين الخلق إلي بقاء التكليف.
وقال آخرون:المراد بالحفظ هو أن أحداً لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا:[هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالي ] حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالي لقال له كل الصبيان:[أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا] فهذا هو المراد من قوله تعالي ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﭼ.
واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ فأنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير،إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصاري متوفرة علي إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات،وأيضاً أخبر الله تعالي عن بقاءه محفوظاً عن التغيير والتحريف، وانقضي الآن قريباً من ستمائة سنة،فكان هذا إخباراً عن الغيب،فكـان ذلك أيضاً معجزاً قاهراً."
ومن ثم فحفظه تعالي للقرآن ظاهر في كونه إعجاز حقيقي تضامن فيه التواتر مع التحدي مع الخصائص الذاتية للقرآن،وسهولة حفظه ويسره علي الجميع،كل هذه الأمور تتلاقى في جهة واحدة هي أنه محفوظ بحفظ الله رعايته.
ثالثاً:أوجه الإعجاز في القرآن الكريم
يقول ابن الهمام:"وهو الذي أعيا كل بليغ بجزالته وعزوبة أسلوبه وبلاغته."والجزالة يقابلها الركة،فليس في نظمة لفظ ركيك،وغرابة أسلوبه هو أنه يخالف المعهود من أساليب كلام العرب،إذ لم يعهد في كلامهم كون المقاطع علي مثل:يعملون ويفعلون،والمطالع علي مثل {يا أيها الناس،يا أيها المزمل،الحاقة ما الحاقة،عم يتسائلون }،وأما بلاغته فنظمة البالغ فيها الحد الخارج عن طوق البشر،وإن أمكن بالنسبة إلي قدرة الله تعالي ما هو فوق ذلك لأن مقدوراته لا تتناهى."
ومن ثم فالإعجاز قائم بنظمه المتسق البديع، ووصفه المؤتلف العجيب، فقد وضعت كل كلمة في موضعها اللائق بدقة فائقة، مما يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشرية على الإطلاق، وهو الأمر الذي أبهر وأعجب.
ولقد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً، وذهبوا فيه إلى كل مذهب من القول، وما وجدناهم بعد قد أحاطوا بالمسألة كاملة، وذلك لتعذر معرفة الأوجه التامة لإعجاز القرآن الكريم، وتمام معرفة الأمر كله في الوقوف على كيفيته، وسبر أغواره، فأما أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة بكونه معجزاً للخلق ممتنعاً عليهم الإتيان بمثله على حال، فلا موضع لها، والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه، ذلك أنّ النبي  قد تحدّى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه، وقد بقي  يطالبهم به مدة عشرين سنة، مظهراً لهم النكير، زارياً على أديانهم، مسفهاً آراءهم وأحلامهم، حتى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس، وأريقت المهج، وقطعت الأرحام، وذهبت الأموال، ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلفوا هذه الأمور الخطيرة، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة ولم يكونوا ليتركوا السهل الدمث من القول، إلى الحزن الوعر من الفعل،
هذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لب، وقد كان قومه قريش خاصة موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلقون وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللدد، فقال سبحانه: ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭼ الزخرف: ٥٨ ، وقال سبحانه: (وتنذر به قوماً لداً) فكيف كان يجوز ـ على أول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة ـ أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه وأن يضربوا عنه صفحاً، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه.
وتري العلماء ومنهم ابن الهمام وقد دقق علي كون أوجه الإعجاز في القرآن الكريم لا تنحصر ؛ لكن الثابت وضعاً أن أعجزهم من نواحي ثلاثة:
الأولي:الجزالة في الألفاظ. الثانية:الغرابة في الأسلوب. الثالثة:البلاغة التامـــة.
والحقيقة أن قوله:" أعيا كل بليغ لا يكون المقصود به ظاهر اللفظ،وإنما المقصود به بالغ في مكانه فأعيا الأطباء البالغين أمهر التطبيب في طبهم،وأعيا أهل الهندسة في هندستهم،وأعيا أهل الفلك في مقولاتهم،وأعيا الباحثين في طبقات الأرض في بحثهم،حيث أعطي لكل هؤلاء وغيرهم نتائج أبحاثهم،فتراهم يبحثون عن المقدمات،وما إن يصلوا إلي النتيجة إلا ونقول لهم تعالوا إلينا، فالنتيجة هاهنا مدونة عندنا وإذا ما تسائلنا ما وجه الإعجاز عند هؤلاء؟ نقول بأن القرآن ليس كتاب معملي أو حقل تجريبي، إنما أشار إشارات علمية في كل مناحي العلم تشير إلي النتائج التي يتوصل إليها العلماء يتحيرون كيف بهذا الأمر أن يكون هذا الكلام من عنده والعلم يقطع بأنه يستحيل بأنه من عنده.
فينبهرون كيف ذلك؟ لقد طال البحث بنا عشرات السنين، وفي لحظة نراها واضحة ناصعة،فإن كانوا من الكافرين بادروا إلي التسليم المطلق، فإن هذا الكلام لا يمكن أن يقوله بشر بل الله تعالي،ولم يكن أمامهم حينئذ مهل إلا أن يعلنوا شهادة التوحيد الحقيقية،لا التقليدية المزعومة.
لكن هل حروف القرآن فيها إعجاز؟
الجواب:لا، فهي من جنس ما يقوله العرب.
إذاً فهل كلمات القرآن علي الانفراد فيها إعجاز؟
الجواب: كذلك لا، والأصل حينئذ في المسألة تحقيق يجب النظر إليه وهو إن الإعجاز متوافق مع الجملة، أي الهيئة المشتركة، وبادر ابن الهمام لإثبات ذلك منادياً بقوله: والقرآن هو اللفظ العربي المنـزل للتدبر والتذكر المتواتر،والإعجاز تابع لازم لأبعاض خاصة منه." يقول صاحب التقرير في تفصيل مقولة ابن الهمام والإعجاز أي وثبوته له وهو أن يرتقي في بلاغته إلي حد يخرج عن طوق البشر ويعجزهم عن معارضته،تابع لازم غير بين لأبعاض خاصة منه لا بقيد سورة وهو ظاهر كلام ابن الحاجب أيضاً. ولا كل بعض نحو ﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﯛ ﭼ النساء /23.،فإنها جمل لا إعجاز فيها –والقرآن مع جزئية اللام فيه أي كونه مقترناً بها لإفادة التعريف العهدي للمجموع من الفاتحة إلي آخر سورة الناس فلا يصدق علي ما دونه من آية وسورة ولا معها أي جزئية اللام له بأن لا يكون مقترناً بها تعريفه لفظ (الخ) أي عربي منـزل للتدبر والتذكر متواتراً فيصدق علي الآية كما هو ظاهر، وهذا موطن للربط بين الأصوليين والكلاميين،إذ الأصولي يبحث في الكتاب من حيث أنه دليل الحكم،والمتكلم يبحث فيه علي العموم باعتباره كلام الله المعجز،وعلي الخصوص بأنه الدافع إلي الاعتقاد."
وإن من أوجه إعجاز القرآن الكريم علي نحو أصولي عموم الإعجاز في عموم المعرفة، فالقرآن كتاب إن فصل أفاد إعجازاً في تفصيلاته،وإن أجمل أفاد إعجازاً في عمومه،ذلك أن حكم العموم فيه يقوم علي معرفة أسباب النزول،ومعرفة مقتضيات حال المخاطبين،ومعلوم أن الأحوال متغايرة،فكيف أطلق اللفظ الواحد مراعياً تلك الأحوال المتغايرة،مع معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها وهذا كله يفيد تحقيقاً أن القرآن معجز بلفظه وبحكمه وبإشاراته.
لكن لماذا خصص النواحي البلاغية والاهتمام بجزالة الألفاظ وغرابة الأسلوب علي أنه نزل باللغة العربية؟
أقول:لقد خصصت هذه الأمور باعتبار الحكاية وتثبيت التحدي علي أقصي أبعاده لتحقيق كونه معجزاً،إذ المقصود في المعجز التحدي،والقرآن الكريم بتلك الألفاظ بابه إلي التحدي أثبت وآكد.
فالقرآن نزل علي رسول الله () في أمة طبعت علي الفصحى حتى كان شغلها الشاغل هو تفاخرهم باللغة شعراً كان أو نثراً،وصارت اللغة وتدقيقها هو أساس التفاضل بين القبائل، والمتابع لأحوال العرب في تلك الآونة يجد أن القرآن قد نزل في قوم خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص غيرهم من الأمم وأوتوا من دربة اللسان ما لم يؤت به إنسان،ومن فصل الخطاب ما يأخذ الألباب،لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم فقد حووا فنونها واستنبطوا عيونها، ودخلوا كل باب من أبوابها وعلوا صرحاً لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير والمهين،وتفننوا في الغث والثمين.
ومن ثم فالاهتمام بهذه المسألة في بيان الإعجاز،لم يكن بالناقل عن الغير بغير فهم كلا،وإنما طوع الأصل المراد لتحقيق المبدأ الأساسي المقصود في المعجزة.
وهو قد صنف القرآن،كما هو معلوم ضمن المعجزات،وبهذا يحتاج إلي قرائن مثبتة وهذه القرائن وتلك الأسباب هي المثبتات الأساسية لهذا الباب.
ولقد اتفق على هذا الكثير من المتكلمين من علماء الأشاعرة والماتريدية والتفصيل في هذا الباب تكرار لكلام الغير بدون تحصيل كثير من الفائدة."
ثانياً: الإعجاز اللفظي: وزعم آخرون أن إعجازه من جهة البلاغة، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر، وفي كيفيتها يعرض لهم الإشكال، ويصعب عليهم منه الانفصال، ووجدت عامة أهل هذه المقالة قد جروا في تسليم هذه الصفة القرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له وإحاطة العلم به، ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة، قالوا: إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام، قالوا: قد يخفى سببه (سبب التفاضل بين كلامين) عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به.
قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان معاً فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة.... قلت: وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام.
والحقيقة إن ما ركز عليه الجمهور،لهو الصواب كما قال التفتازاني: وأما المقام الثاني، فالجمهور علي أن إعجاز القرآن لكونه في الطبقة العليا من الفصاحة والدرجة القصوى من البلاغة علي ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام."
والقرآن الكريم قد أعيا كل بليغ في صنعته فالأطباء المهرة في الطب والمهندسين في الهندسة والمتمرسون في علوم الفلك والرياضيات،والبلغاء والنحويين والأصوليين،كل هؤلاء وغيرهم في كافة المناحي العلمية والنظرية كلهم يقفون أمام القرآن مسلمين بالحجة،والوجه الصحيح،وينهلون منه كل معارفهم،وكيف لا؟ فالقرآن قد احتوي في جملته كافة العلوم التطبيقية والنظرية دون فرق يذكر، هذا مع اهتمامه بأحوال الآخرة وأصولها،فاحتوي قوانين الحياة وكذا ما بعد الممات، ولقد كان جديراً بالوصف بأنه أصل العلوم ومفتاحها ولم لا؟ فليس هو بكلام البشر،ولكنه الأساس الأقوم،والمعراج الحقيقي للوصول إلي الملك العلام.
والتحقيق أنه قارع البلغاء والبيانيين فآثروا المقارعة بالحسام علي المقارعة باللسان فلو كانوا يستطيعون لما بادروا بالأول عن الثاني إذ الثاني أيسر في التناول وأقوم في المعارضة،وعجزهم ناشئ من ذاتهم لا أمراً فيه جبراً عليهم،وكلامنا الآن في الإعجاز بالصرفة،وإذا ما فرغنا من تلك المثبتات فتجد هناك مثبت آخر أصولي اهتم به ابن الهمام كشأنه في إثبات العقائد وهو دلالة الحكم كناحية في الإعجاز الأصولي،والحكمة التشريعية ودلالة الحكم.
وكما يقول د/ محمد علي عز العرب السماحي:" القرآن لم يعجزني بمعني أنه لم يخلق العجز في،إنما أنا في طبيعتي عاجز،ومعني ذلك أن القرآن أظهر العجز المركوز في طبيعتي فهو لبيان العجز وإظهاره فلفظ العجز استعير لإظهار عجز المتحدين.
ثالثاً: الإعجاز البلاغي: يرى الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني (توفي سنة 471) ـ وهو الواضع الأول لأسس علمي المعاني والبيان ـ: أن إعجاز القرآن قائم بجانب فصاحته البالغة وبلاغته الخارقة، وبأسلوب بيانه ذلك البديع، مما هو شأن نظم الكلام وتأليفه في ذلك التناسق والتلاؤم العجيب، الأمر الذي لا يمس شيئاً من معاني القرآن وحكمه وتشريعاته، وهي كانت موجودة من ذي قبل في كتب السالفين.
وقد وضع كتابيه (أسرار البلاغة) و (دلائل الإعجاز) تمهيداً لبيان وجوه إعجاز القرآن لمن مارس أسرار هذا العلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://drshehata.alhamuntada.com
 
الملف الرابع في المحاضرات الكاملة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته :: قسم خاص بكلية التربية تفهنا الأشراف :: محاضرات-
انتقل الى: