الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته

لايعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف اهله
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي أنتقل الي رحمة الله تعالي الي الرفيق الاعلي فضيلة الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته وذلك يوم الاربعاء الموافق 21/11/2012

شاطر | 
 

 الملف الثالث من المحاضرة السادسة إلى التاسعة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د محمد
Admin


عدد المساهمات : 87
تاريخ التسجيل : 08/02/2011

مُساهمةموضوع: الملف الثالث من المحاضرة السادسة إلى التاسعة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف    الأربعاء أبريل 18, 2012 10:22 am

أشهر المذاهب في باب القضاء والقدر ثلاثة:
المذهب الأول: مذهب الجهمية الجبريّة.
وخلاصة قولهم أن العباد مجبورون على أعمالهم، لا قدرةَ لهم ولا إرادة ولا اختيار، والله وحده هو خالق أفعال العباد، وأعمالهم إنما تنسب إليهم مجازاً.
يقول البغدادي عن الجهم: "وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال: زالت الشمس ودارت الرحى، من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به"
فالإنسان عند الجهم يختلف عن الجمادات، لأن الله خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، كما خلق له إرادة للفعل، واختياراً منفرداً له، لكن هذه الإرادة كاللون والطول ونحوهما مما لا إرادة للإنسان فيه ولا قدرة.
المذهب الثاني: مذهب المعتزلة القدرية:وخلاصة قولهم أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون لها؛فهم ينكرون الدرجة الثانية من درجات القدر، والتي تشمل مرتبتي الإرادة والخلق، فينفونها عن الله تعالى، ويثبتونها للإنسان.
يقول عبد الجبار الهمذاني: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله  أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال: إن الله  خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه".
ويقول القاسم بن إبراهيم الرسي راداً على من قال: إن الله هو الخالق لأفعال العباد: "ولو كان هو الفاعل لأعمالهم الخالق لها لم يخاطبهم ولم يعظهم، ولم يلمهم على ما كان منهم من تقصير، ولم يمدحهم على ما كان منهم من جميل وحسن".
المذهب الثالث: مذهب السلف:
وأما مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب فهو ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد؛ وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو القادر على كل شيء، ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادرٌ عليه؛ وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم؛ قدّر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة؛ فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون"؛ وليس لهم في المسألة سوى الكسب، فالله أكسبهم الفعل، وقد خلق لهم الفعل، وقد سبق تقرير ذلك فارجع إليه، وإن المصاحبة تأني بما يسمى العزم المصمم المصاحب للتوفيق أو الخذلان.
منشأ ضلال القدرية والجبريّة:
قال ابن أبي العزّ الحنفي: "ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبّة والرضا، فسوّى بينهما الجبريّة والقدريّة، ثم اختلفوا، فقالت الجبريّة: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله، ولا مرضيّة له، فليست مقدّرة ولا مقضّية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه؛ وقد دلّ على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنّة والفطرة الصحيحة".
مناقشة الجبريّة والقدريّة إجمالاً:
يقول ابن أبي العزّ الحنفي في معرض ردّه على هؤلاء وهؤلاء: "وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اخلفوا فيه من الحقّ بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ فكلّ دليل صحيح يقيمه الجبريّ فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يدلّ على أن العبد ليس بفاعلٍ في الحقيقة، ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختياريّة بمنزلة حركة المرتعش وهبوب الرياح وحركات الأشجار؛ وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدلّ على أن العبد فاعل لفعله حقيقةً، وأنه مريدٌ له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدلّ على أنه غير مقدورٍ لله تعالى، وأنه واقعٌ بغير مشيئته وقدرته.
فإذا ضممت ما مع كل طائفةٍ منهما من الحق إلى حقِّ الأخرى فإنما يدلُّ ذلك على ما دلَّ عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقةً، وأنه يستوجبون عليها المدح والذمّ.
وهذا هو الواقع في نفس الأمر، فإن أدلّة الحق لا تتعارض، والحقّ يصدّق بعضه بعضاً، وسبق الحديث عن هذا فارجع إليه، وذلك عند ذكر أدّلة الفريقين؛ غير أنها تتكافأ وتتساقط، ويُستفاد من دليل كل فريقٍ بطلان قول الآخرين".
محاورة أهل السنة للقدريّة:
1-وقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد، فقال: يا هؤلاء، إن ناقتي سُرقت فادعوا الله أن يردَّها عليّ، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم تُرد أن تُسرق ناقته فسُرقت فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قال: ولم؟ قال: أخاف كما أراد أن لا تُسرق فسُرقت، أن يريد ردّها فلا تُرد.
2-وقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال، ثم عذّبني، أيكون منصفاً؟! فقال له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء.
3-ودخل القاضي عبد الجبار الهمذاني ـ أحد شيوخ المعتزلة ـ على الصاحب ابن عباد، وعنده أبو إسحاق الإسفراييني ـ أحد أئمة السنة ـ، فلما رأى الأستاذ قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ فوراً: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال القاضي: أيشاء ربنا أن يُعصى؟! قال الأستاذ: أيُعصى ربنا قهراً؟! فقال القاضي: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى أحسن إليّ أم أساء؟! فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء؛ فبُهت القاضي عبد الجبار.
4-بلغ هشام بن عبد الملك أن رجلاً قد ظهر يقول بالقدر، وقد أغوى خلقاً كثيراً، فبعث إليه هشام فأحضره، فقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: وما هو؟ قال: تقول: إن الله لم يقدر على خلق الشرّ؟ قال: بذلك أقول، فأحضِر من شئت يحاجني فيه، فإن غلبته بالحجة والبيان علمتُ أني على الحق، وإن غلبني بالحجة فاضرب عنقي؛ قال: فبعث هشام إلى الأوزاعي فأحضره لمناظرته، فقال له الأوزاعي: إن شئتَ سألتك عن واحدة، وإن شئتَ عن ثلاث، وإن شئتَ عن أربع؟ فقال: سل عما بدا لك، قال الأوزاعي: أخبرني عن الله  هل تعلم أنه قضى على ما نهى؟ قال: ليس عندي في هذا شيء، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه واحدة؛ ثم قلت له: أخبرني: هل تعلم أن الله حال دون ما أمر؟ قال: هذه أشدّ من الأولى، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه اثنتان؛ ثم قلت له: هل تعلم أن الله أعان على ما حرّم؟ قال: هذه أشدّ من الأولى والثانية، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه ثلاث قد حلّ بها ضرب عنقه؛ فأمر به هشام فضربت عنقه؛ ثم قال للأوزاعي: يا أبا عمرو، فسّر لنا هذه المسائل، قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ سألته: هل يعلم أن الله قضى على ما نهى؟ نهى آدم عن أكل الشجرة ثم قضى عليه بأكلها؛ وسألته: هل يعلم أن الله حال دون ما أمر؟ أمر إبليس بالسجود لآدم، ثم حال بينه وبين السجود؛ وسألته: هل يعلم أن الله أعان على ما حرّم؟ حرّم الميتة والدم، ثم أعاننا على أكله في وقت الاضطرار إليه؛ قال هشام: والرابعة ما هي يا أبا عمرو؟ قال: كنت أقول: مشيئتك مع الله أم دون الله؟ فإن قال: مع الله فقد اتخذ مع الله شريكاً، أو قال: دون الله، فقد انفرد بالربوبية، فأيهما أجابني فقد حلّ ضرب عنقه بها، قال هشام: حياة الخلق وقوام الدين بالعلماء.
المحاضرة الخامسة :
النبوات
مفهوم النبي في اللغة والاصطلاح
مفهوم النبي في اللغة:
المتتبع لما قاله أصحاب المعاجم فإنه يرى أن لفظ النبي يرجع إلى عدة معان:
أولاً: يطلق لفظ النبي ويراد به الخبر، فالنبي منبئ عن الحق وهو فعيل بمعنى مفعل.
ثانياً: يطلق اللفظ ويراد به الإمساك، فالنبي ممسك عن شئ لشئ.
ثالثاً: يطلق اللفظ ويراد به كل ما علا وارتفع، فالنبي قد ارتفعت هامته حساً على الخلق جميعاً، وارتفع مكانه عقلاً على الخلق أجمعين.
رابعاً: يطلق اللفظ ويراد به المطلع، فالنبي قد أطلع على الخلق بأمور لم يعرفوها.
خامساً: يطلق اللفظ ويراد به الطريق، فالنبي طريق موصل إلى الحق تعالى.
وذكر بعض اللغويين اعتبارين للقياس وهما:
الاعتبار الأول: النبي بالتخفيف.
الاعتبار الثاني: النبي بالهمز.
والأكثرية على التخفيف لا لأن القياس يلحق التخفيف دون التشديد بالهمز، كلا، وإنما لأن المسالة راجعة إلى أمر واضح من الرسول  حين ناداه رجل قائلاً: يا نبيئ الله، فقال له الرسول  لا تنبر باسمى إنما انا نبي الله.
وأرى أن لغة التشديد لغة تفيد العموم في اللفظ بمعنى أننا نقول تنبأ مسليمة، وتنبأت سجاح، وتنبأ المتنبئون، غير أن العموم لغير مراد إنما المراد التخصيص، والتخصيص لاحق للفظ النبي بالتخفيف.
هذا والمعلوم لدينا أنه لا يمكن وصف غير النبي بالنبوة، وإنما يوصف بالتنبأ؛ لذا كان التخصيص أولى في الوصف من التعميم، وهذا هو ما أراه وأوقن به.
والحقيقة أن العلماء من الأشاعرة وغيرهم قد تمسكوا بعدة اشتقاقات، وهي المرادة عند اللغويين وهي:
1-النبي بمعنى المنبئ أي المخبر عن الله تعالى.
2-النبي بمعني المرتفع.
3-النبي بمعنى الطريق.
وقد ذكر هذا الإيجي بالقول:"إن لفظ النبي منقول في العرف عن مسماه اللغوي وله اشتقاقات كثيرة منها:
أولاً:قيل إنه مشتق من النبأ، أي الخبر، فهو مأخوذ من نبأ بمعني خبر، والنبأ بمعني الخبر، والأنباء الأخبار." وهي فعيل بمعني فاعل، وإن كان ابن منظور ـ كما سبق القول ـ يري أنها فعيل بمعني مفعل، فنبي بمعني منبأ، كأليم بمعني مؤلم، ونذير بمعني منذر وإتيانها بمعني فاعل للمبالغة، وحقق هذا القول الرازي في مفاتيح الغيب وأيده."،وبه قال صاحب المطالع." ومعني هذا إلحاق الهمز للنبي فتكون مهموزة، ويمكن القول بأنها نبأ، وقال ابن منظور إن النبي بالهمزة لغة رديئة وذلك لقلة استعمالها، واستشهد علي ذلك باعتراض النبي  علي رجل ناداه قائلاً:يا نبئ الله،فقال له:لا تنبر باسمي،فإنما أنا نبي الله."
والاتفاق على أن النبي من الإنباء صحيح في اللغة فهو المنبأ عن الله تعالي، وعليه كان ابن الهمام."وحققه ابن قطلوبغا." وإليه مال أكثر الأشاعرة علي ما قاله السعد في المقاصد، ومن حيث النظرة الأولي أري أن الاشتقاق صريح وجائز الإطلاق؛ لكن لا يمكن أخذه علي وصف الخصوص أو سمة الخصوص، في التعريف لأن الإخبار وصف يروح ويأتي، وليس له مطلق الثبات، أما النبوة فثباتها لمن اتصف بها ضروري، فهي وصف لا ينقطع، فإن صح اشتقاق اللفظ لهذا المعني فعلي اعتبار جوازه لا علي تحقيقه.
وهذا يفيدنا بأن للنبي سمة خاصة مرتبطة به سواء تحقق الإخبار والإعلان أم لا؟ فوصف النبي باق، أنه لا يمكن جعل الإخبار فقط سمة هذا الوصف،هذا من حيث العموم مع أنه صحيح في الاشتقاق لغوياً؛ لكنه لم يعط المعني المراد كاملاً، من حيث الخصوص هنا كان لابد من النظر في وصف آخر الصق منه باللفظ يمكن تجليته والوصول إلى ترابط دقيق في المسألة والوصف.
ثانياً: ذهب بعض العلماء أنه يصح اشتقاق النبي من النبوة أو النباوة، وهو ما ارتفع وعلا من الأرض يقال: نبا الشئ إذا ارتفع وظهر وبان."وتطلق العرب لفظ النبي علي علم من أعلام الأرض التي يهتدي بها، والمناسبة بين لفظ النبي والمعني اللغوي أن النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء هم أشرف الخلق وهم الأعلام التي يهتدي بها الناس فتصلح دنياهم وأخراهم؛ لكن عموم الارتفاع فقط لا يكفي للوصف بالنبوة فيجب أن يلحق بها اللفظ ـ الوصف ـ وصف آخر أولى بالدقة منه في التعبير عن النبي.
ثالثاً: ويري بعض العلماء أن النبي مشتق من النبي بمعني الطريق، وذلك لكون النبي طريق موصل إلي الحق تعالي، وفي معاجم اللغة يقولون:إن النبي هو الطريق، كما يقول الكسائي وغيره، فيقال للنبي والأنبياء؛ لكونهم طرق الهداية إليه تعالي."
وأري أن هذا الاشتقاق له صلة وثيقة بالنبي إذ يحقق نوعاً من التمايز عاماً، والتصاقه بالنبي أجدر من غيره في الناحية الفردية فقط، ولئن ذهب البعض إلى اعتبار نوع من هذه الأوصاف، فإن هذا الاعتبار عندي ضعيف، إذ وصف النبوة يجب أن يتحقق فيه كمال الوصف لدقة المعنى، وقد كان البخاريين من الحنفية على دقة تامة بهذا النحو فقال قائلهم " والنبي درجة من درجات القرب إلي الله بها يجاب التبليغ"
وعلى هذا فأحد هذه الإشتقاقات لا يكفي في النظرة بمفرده بل يجب أن تجمع هذه الاشتقاقات؛ لتكون دلالة حقيقية ذات مغزى ومعني، فيتحقق من هذا الباب دقة الوصف لسلامة الموصوف، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى النبوة من الإنباء تعني إخبار، فالنبي مخبر عن الله لا غير، والقائل بهذا يجعل للنبي ثواباً علي إنباءه؛ لأن الأنباء كسبي، ومن قال: إنها مشتقة من نبا الشيء إذا ارتفع، فالنبي له علو المكانة والاشتهار.
والحقيقة أن القائل بهذا يزاوج بين النبوة والضرورة، ومن قال: إنها الطريق فقد ربط بينها وبين التكليف وفيها معاني الفضل.
والنبوة من الجائزات تفضلاً من الله تعالي علينا وقد حققها، الكثير من الأشاعرة والماتريدية وجمهور الحنفية خاصة المتأخرين منهم." وقال صاحب الجوهرة:
ولم تكن نبوة مكتســـــبة ولو رقي في الخير أعلي عقبــه
بل ذاك فضل الله يؤتيــه لمن يشاء جل الله واهــب المنن
النبي في الاصطــلاح
أن الوقوف على المعنى الاصطلاحي لأي لفظ من الألفاظ يجعل في النفس تشوقاً؛ لأن تعرف أبعاد المسألة من ناحية العقل، فليس الوقوف على التقليد أمراً يجعل من العلم باباً للتقدم أو غيره، إنما الأصل أن يحاول الكل جاهداً أن يفهم مرامي الألفاظ التي يقوم بدراستها فهماً تحقيقياً يصل به إلى معرفة دقيقة، وأن يبتعد قدر إمكانه عن التقليد وأهله، إذ المقلدين لا سمة لهم إلا الاتباع في الفكر بغير نظر، وهذا ما حذر منه الشارع الحكيم، فالنظر مفروض، والتقليد في الفكر مذموم.
وقد تغاضى الكثير عن النظر في التعريف تسهيلاً أو نقلاً لا نظراً ولا فكراً، وظنوا أنهم بهذه الطريقة قد حافظوا على الموروث من الفكر، غير أنهم بفعلهم هذا قد فتحوا أبواب الاعتراض بل والتشويه التي كان من الممكن إغلاقها لو أن نظرهم بغير هذا الطريق، من هنا وجب أن يكون لكل إنسان وقفة محددة، ولو في الإطار النظري.
ومن هذا القبيل يمكنني عرض بعض التعريفات التي ذكرها العلماء بهذا الشأن للاستئناس والاسترشاد بها، وليس هذا من باب التطويل أو تسويد عدد من الصفحات؛ لكن من باب الوقوف على نواحي سابقة في العلم، فليس بالحاضر يتقدم الإنسان مع نبذ الماضي، كلا، وإنما بتضافر الجهود الزمنية بين الماضي والحاضر يتقدم الإنسان ويسعى قدماً إلى نبرات حقيقة من باب العلم الواسع.
أولاً: يقول العلامة عبد الحميد باديس: هم حجة الله وشهوده أنبأهم الله بوحيه، وأرسلهم لتبليغه لخلقه؛ ليعرفوهم به وبشرعه، وينبهوهم إلى آياته، ويذكروهم بإنعاماته، ويبشروهم بالسعادة والنجاة إذا اتبعوهم، ويخوفوهم من الشقاوة والهلاك إذا خالفوهم، قال تعالى ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ النساء: ١٦٣."
ثانياً: يقول الماوردي:" والأنبياء هم رسل الله تعالى إلى عباده بأوامره ونواهيه زيادة على ما اقتضته العقول من واجباتها وإلزاما لما جوزته من مباحاتها لما أراده الله تعالى من كرامة العاقل وتشريف أفعاله واستقامة أحواله وانتظام مصالحه."
فإذا تقرر أن حقيقة النبوة ما ذكرناه وأن فضله الخاص به هو ما تحصل له من الإخبار عن الله فذلك الخبر أن أمر النبي بتبليغه لغيره فذلك النبي هو الذي يقال عليه رسول، والرسالة هي الكلام المبلغ عن الله فلأجل هذا يصح أن يقال كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا."
وذهب الكثرة من الأشاعرة كالأشعري والباقلاني والجويني وغيرهم ـ رحمهم الله تعالى ـ وغيرهم من أصحاب الحواشي إلى أن النبي هو إنسان حر من بني آدم أوحي الله إليه بشرع سواء أمر بالتبليغ أم لا، وهو ما نقله الأمير في حاشيته، وكذا عبد السلام على الجوهرة.
ولو أنا تتبعنا الكثير من هذا لطال بنا الكلام في عروض كثيرة كلها ترجع إلى ناحية واحدة في التعريف الاصطلاحي، لكن لما كان الأمر بالنسبة لي يجب أن يكون فيه نوعاً من الرؤية العقلية والروية النظرية فإني أضع أولاً السمات العامة للنبي على غرار ما يفعل الكثرة من النابهين الذين لا يرضون بالتقليد أصلاً في مجال الدراسات العلمية الأكاديمية، وإنما يحاولون أن يترفعوا عن هذا التقليد إلى ناحية من التوسع في معالم الإدراك والتحقيق.
السمات العامة للنبي:
أولاً: أنه جسم بشري.
ثانياً: أنه مصاحب لأخلاقيات متميزة عن غيره.
ثالثاً: له صلة بالله فطرية تتحقق بالعلم المكتسب مدعماً للفطرية.
رابعاً: يحقق الوساطة في التبليغ بين القوة العليا المسيطرة على الخلق وبين الناس.
خامساً: يؤيده الله بمعجزات دالة على صدقه عند تحقق التحدي أو بغير تحدي.
سادساً: يحقق فرضية التكليف.
سابعاً: يوقف الناس على مآل العبادة، ويقف بهم عند الإيمان بيوم لا يظلم فيه أحداً.
ومن هذا القبيل يمكن القول بأن النبي على هذا النحو هو: بشر متميز عن غيره بصفات أخلاقية وخلقية، يحقق صلة بين الخلق والله؛ لتفهيمهم التكليف ولوازمه، مؤيد بمعجزات دالة على صدقه، ليتحقق مآل العبادة والوجود.
ويمكن صياغة غير هذا التعريف، ولكن هي محاولة حتى لا يلجأ الإنسان إلى التقليد والنقل من الغير بدون الوقوف على مراداته.
مفهوم الرسول والرسالة في اللغة:الرسول كلمة عامة تطلق علي كل من يوصل شئ لآخر من غيره فتحقيقها ثابت بأن يكون هناك مرسل ومرسل إليه، ومرسل به، ورسالة، وهذا أمر عام عند الإطلاق.
يقول الفيروزأبادي:" والإرسال التسليط والإطلاق والإهمال والتوجيه،والاسم والرسالة بالفتح والكسر، والرسول هو المرسل، وأرسل ورسل ورسلاء والموافق،والموافق له في النضال ونحوه ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ الشعراء: ١٦ لم يقل رسل،لأن مفعولاً وفعيلاً يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع،وتراسلوا أرسل بعضهم إلي بعض،ومنها الترسيل في القراءة أي الترتيل،والأحاديث المرسلة هي التي يرويها المحدث إلي التابعي ثم يقول التابعي قال رسول الله  أو لم يذكر صحابياً، والمرسلات، الرياح، والخيل أو الملائكة."
وتحمل معني الاتئاد الإعطاء كما قال الجوهري: وفيه الاستئناس والطمأنينة والثقة، وأصله الثبات والسكون كما قال بن الأثير." وبه قال ابن منظور."وزاد أن الإرسال هو التوجيه، وقد أرسل إليه والاسم الرسالة والرسالة، والرسول والرسيل …..والرسول بمعني الرسالة يؤنث ويذكر " وهو مقولة صاحب المختار."
وقال الأصفهاني: " أصل الرسل الانبعاث علي التؤدة ….والرسالة والرسول، يقال للواحد والجمع، ويشمل النبي من المبشر والرسول من الملائكة والإرسال بعث من له اختبار ….والإرسال يقابل الإمساك وفيه تتابع.".
ولئن نظرنا إلي تلك المفاهيم اللغوية لبان أن الإرسال اسم عام يتناول الملائكة والبشر والشياطين والبشر والنار وأن معناه يتحدد في ملامح:
أولاً: الإرسال هو التتابــــع. ثانياً: الإرسال هو التسليـــط.
ثالثاً: الإرسال هو الاتئاد والعطاء. رابعاً: الإرسال هو الاختـــيار.
فأيهما يمكن وصف الرسول المرسل من عند الله به،أما التسليط فبابه إلي الشياطين:قال تعالي ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ مريم: ٨٣ ، وأما التتابع فهو بمفهوم عموم الرسل والأنبياء أي تتابعوا زماناً، أو تتابعوا اكتمالاً حتى بلوغ الدعوة غايتها علي يد محمد  ويؤيده قوله تعالي ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮓ ﭼ المائدة: ٣ ، وأما الاتئاد والعطاء فمعلوم أن التؤده من صفات الرسل الخاصة والتسرع في الأحكام ليس من شيمتهم،ولئن حدث شئ من التسرع والاستعجال نبههم الله عليه،وإليك قوله تعالي ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ القيامة: ١٦ - ١٧ ، وقد وصف داود وسليمان بالحكمة والعلم وكذا الأنبياء، ونهي موسى  عن الاستعجال، وجعل المعلم له الخضر قال ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ الكهف: ٦٧ - ٦٨، فكون الإرسال للاتئاد والعطاء فهو وصف دقيق للأنبياء والرسل لكنه عمومه يخرجه عن خصوصيته بهم بقي الاختيار أرسله إذ اختاره، رأي أن هذا هو أولي المعاني بالإلحاق بالرسول، إذ الاختيار فيه معني الفضل، والاجتباء والاصطفاء، وهي دقائق خاصة بالإرسال بعامة، وتحقيق ذاتية الوصف علي الرسول بخاصة،ومنها يخرج إرسال الريح وإرسال الشياطين، وإرسال الملائكة، وإرسال النار.
قال صاحب التقرير: مبيناً رأي العلامة ابن الهمام في ذلك قائلاً: والرسالة الإلهية سفارة ببن الحق والخلق تنبه أولو الألباب علي ما يقصر عنه عقولهم من صفات معبودهم وميعادهم ومصالح دينهم ودنياهم، ومستحثات تهديهم، ودوافع شبه ترديهم."
ومن ثم فالرسول يمثل هذه السفارة الحقيقة التي بمقتضاها تتم الرسالة والإرسال، وما كان ذلك بواجب فرضي على الله تعالى، وإنما هو محض الهبة والفضل منه تعالى، فالله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته.
وبعد عرضنا للمعنى اللغوي وترجيحنا ما رأيناه بالأدلة القاطعة، بقي أن نعرف ما هو المقصود بالرسول على الاصطلاح.
مفهوم الرسول اصطلاحاً: اختلف العلماء حول تعريف الرسول اصطلاحاً على أقوال، غير أنها في النهاية تثبت للرسالة شروطها القائمة بها، ووصفها اللائق بها، ومن هذه التعريفات ما يلي:
أولاً: يقول صاحب التعاريف:"الرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل إليه، والرسول هو من يبلغ أخبار من بعثه لمقصود سمي به، والنبي المرسل لتتابع الوحي عليه إذ هو فعول بمعنى مفعول.
وقال الراغب أصل الرسل الانبعاث على تؤدة، يقال: ناقة رسلة سهلة السير، ومنه الرسول المنبعث، والرسول باعتبار الملائكة أعم من النبي، إذ قد يكون من الملائكة بخلافه وباعتبار البشر أخص منه إذ الرسول رجل بعث إلى الخلق لتبليغ الأحكام.".
ثانياً: قال ابن حزم في كتابه "الفصل:" الرسول هو الذي يخاطب عن الله بالرسالة، قيل: لهم نعم من أرسله الله مرة واحدة فقط رسولا لله تعالى أبدا؛ لأنه حاصل على مرتبة جلالة لا يحطه عنها شئ أبدا ولا يسقط عنه هذا الاسم أبدا."
ثالثاً: قال ابن تيميه:" الرسول هو الذي يرسله الله، فما نبأ الله حق وصدق ليس فيه كذب لا خطأ ولا عمدا، وما يوحيه الشيطان هو من إيحائه ليس من إنباء الله، فالذي اصطفاه الله لانبائه وجعله نبيا له كالذي اصطفاه لرسالته وجعله رسولا له، فكما أن رسول الله لا يكون رسولا لغيره، فلا يقبل أمر غير الله، فكذلك نبي الله لا يكون نبيا لغير الله فلا يقبل أنباء أحد إلا أنباء الله، وإذا أخبر بما أنبأ الله وجب الايمان به، فإنه صادق مصدوق ليس في شيء مما أنبأه الله به شيء من وحي الشيطان، وهذا بخلاف غير النبي فإنه وإن كان قد يلهم ويحدث ويوحى اليه أشياء من الله ويكون حقا فقد يلقي إليه الشيطان أشياء ويشتبه هذا بهذا، فإنه ليس نبيا لله كما أن الذي يأمر بطاعة الله غير الرسول وإن كان أكثر ما يأمر به هو طاعة الله فقد يغلط ويأمر بغير طاعة الله بخلاف الرسول المبلغ عن الله فإنه لا يأمر إلا بطاعة الله.".
ويمكن لنا أن نضع السمات العامة للرسول ونستخرج منها تعريفاً فنقول:
أولاً: هو بشر حي.
ثانياً: يتميز بصفات خلقية وخلقية عن غيره من الناس ,.
ثالثاً: يتصل بالله تعالى عن طريق الوسائط التي يحددها الله تعالى له.
رابعاً: مؤيد بالمعجزات الدالة على صدقه عند التحدي وإثبات دعوى النبوة.
خامساً: خاصيته التبليغ.
وعلى هذا يمكن أن نقول:
النبي بشر حي متميز بصفات خلقية وخلقية يتصل بالله عن طريق يحدده تعالى، للتبليغ وإعلام الناس أصول العبادة مؤيد بالمعجزة عند التحدي وإثبات دعوى الرسالة.
وبعد هذا العرض لمفهوم الرسول في الاصطلاح علينا أن نقرر الفرق بين النبي والرسول.

المحاضرة السادسة:
عصمة الأنبياء ومجالاتها
العصمة في اللغــــة
قال صاحب القاموس المحيط:" عصم أي منع ووقي …. والعصمة بالكسرالمنع، واعتصم بالله أي امتنع بلطفه من المعصية، والاثم العصمة." وقال ابن الأثير"العصمة المنعة، ولعاصم المانع الحامي، والاعتصام: الامتساك بالشئ افتعال منه."وقال ابن منظور:"العصمة المنع والوقاية، والعصمة الحفظ يقال عصمته فاعتصم."
وجاء في مفردات ألفاظ القرآن:"العصم الامساك …..وعصمة الأنبياء حفظه إياهم بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية، ثم النصرة وبتثبيت اقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم، وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق."قال تعالي { والله يعصمك من الناس }.
ويلاحظ إن معاجم اللغة ترجع العصمة فيها إلي معاني عدة منها:
أولاً: العصمة بمعني المنع. ثانياً: العصمة بمعني الوقاية
ثالثاً: العصمة بمعني الحفظ رابعاً: العصمة بمعني الامساك.
وإن لكل من هذه المعاني استخدامات معينة: فالعصمة بالكسر تعني المنع يقال: اعتصم العبد بربه، أي امتنع بلطفه عن المعصية، كما قال صاحب لسان العرب، ويمكن استعمال العصمة علي الإطلاق اللغوي وهو الحفظ كما قال صاحب المعجم الوجيز: والعصمة منحة إلهية تمنع من فعل المعصية والميل إليها مع القدرة علي فعلها."
ومنه قوله تعالي ﭽ ﭹ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ المائدة: ٦٧ أي يحفظك ويرعاك، ويمكن استعمالها بمعني الاستمساك كقوله تعالي ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﮕ ﭼ آل عمران: ١٠٣ أي تمسكوا، وقله تعالي ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ آل عمران: ١٠١ أي يتمسك به، ومنه قوله تعالي ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﮈ ﭼ يوسف: ٣٢ أي تأبي وتمسك، ولم يجب الطلب، ويمكن القول: إن العصمة في الإطلاق اللغوي ترجع إلي معني الحفظ، والحفظ يترتب عليه فعل من الخارج وامتثال من الداخل، فالبعض يري أن العقلاء يعصمهم العقل عن الوقوع في مهالك الردي، وبفضله يخرجون من الأزمات سالمين، والبعض علي أن حفظ الإنسان ووقايته تتمثل في قوته وشجاعته وإقدامه، والبعض يري أن العصمة ستأتي من المحيطين له، باعتبار إبداء الرأي أو الدفاع عنه، وهكذا لكن كل هذه الأمور فيها قولان:إذ الذي يستعصم بعقله، فالعقل كثيراً ما يورد الإنسان للمهالك دون أن يدري فليس بعاصم علي الإطلاق، وبهذا يسقط ما تمسك به المعتزلة من إرجاعهم مطلق العصمة إلي العقل، وكذا الصحة ليست من الثابت المتحقق بحيث تظل عاصمة لصاحبها، كما أن هناك من هو أقوي، فهي نسبية والمفروض في المسألة الثبات، ولسرعان ما ينفض الناس لانتهاء المال أو زوال السلطة أو السلطان أو المرض، إذاً فهي أمور عارضة، والمتحقق في العصمة ما يكون فيه سمة الدوام، ولا دائم إلا الله تعالي فالحفظ من الله تعالي، والعصمة بمعني الحفظ قسمان:
حفظ الظاهر وحفظ الباطن
فالله تعالي يوكل الملائكة بحفظ الإنسان حتي في نومه، وسفره وسعيه وانبساطه فالحكم واضح لكن إذا جاء القضاء وأبرم، فلا راد لقضائه، كما انه لا مانع لعطائه.
وأنه إذا كانت المفاهيم اللغوية تشهد بأن الحفظ خاص بالله تعالي لدوام الحفظ، فإن عصمة الله للأنبياء حينئذ آكد واثبت، ولما كان المقصود من بحث العصمة إبراز مجالاتها في النبوة، ليتحقق الناس ويوقنون أن كل ما جاء به الرسول وحياً من عند الله فيه سمة العصمة والصدق، فلا يستطيعون له رداً.
والمتحقق أن المفاهيم الدقيقة لا تؤخذ إلا من المفاهيم الاصطلاحية وتحقيقها هو الأصل.
العصمة في الاصطـــــلاح
إذا كان التعريف اللغوي للعصمة أفاد معني المنع مع الاتساع في المعاني الآخرة حيث يشمل المنع وغيره، " ذلك إنه تعريف عني بالشمولية والاتساع حيث صح استخدامه في معاني عدة كما أوردتها كالحفظ والاستمساك، والوقاية، وهكذا.
وإن أمر عصمة الأنبياء يعني كل هذه السمات لكن لا شك أن هناك معني تحقيقي يفيد بظاهره ما تنطوي عليه العصمة لا بالمعني اللغوي العام وإنما بالمعني الاصطلاحي الدقيق.
وبدا لي أن الجميع متفقون علي إثبات العصمة للرسل، لكن الخلاف في تصويرهم لمفهوم العصمة اصطلاحاً، ومن ثم فسأعرض بعض الأقوال الثابتة لأصحاب المذاهب الكلامية، ليتحقق الأمر ببصائره.
مفهوم العصمة في الفكر الاعتزالي:
يقول الزمخشري تحت قوله تعالي ﭽ ﭹ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮕ ﭼ ، أي عدة من الله بالحفظ والكلاءة، والمعني يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت أين ضمان العصمة وقد شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته () قلت: المراد أنه يعصمه من القتل، وفيه أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات الله تعالي.".
والعصمة كما ينشدها الزمخشري تميل إلي العصمة بالمعني اللغوي لا الاصطلاحي، ذلك أن المعتزلة لهم تفصيل في عصمة الأنبياء يمنعهم من وضع مفهوم محدد لها، إذ هي تميل في مبدأها إلي القول في الأفعال الإلهية علي ما أوضح الآمدي في الإحكام."فصدور ما ينافي العصمة من النبي يقابل اختلالاً واضحاً في قصور معرفتهم، ومن ثم ترتفع عنهم الثقة فلا تبليغ حينئذ، فالعصمة علي ما يقرر المعتزلة واجبة علي الله تعالي، ووجوبها عقلي لأسباب ظاهرة.
أولاً: لولا ثبات العصمة لارتفعت الثقة بالأنبياء.
ثانياً: ولولا ثبات العصمة لبلغ الأنبياء أموراً لم يأمرهم الله تعالي بها فتختلط الأمور ويشوش الحق بضلال الباطل.
ثالثاً: ولولا ثبات العصمة لاجتهد الناس في رد أقوالهم ـ الأنبياء ـ، وما احتملت أقوالهم إلا الظن في حين أن الأصل أن يكون لها سمة اليقين.
رابعاً: تخضع العصمة للحسن العقلي، وبالمقابل فعدم العصمة قبح عقلي، والله لا يفعل القبح، فالعصمة واجبة.
خامساً: أنه لما كان الله عدلاً في أحكامه فمن تلك الأحكام عصمة النبي فعدله يقتضي عصمته، فوجبت العصمة.
سادساً: تتصل العصمة بالأصلح فهي الأصلح للنبي، ومن ثم وجبت العصمة.
سابعاً: بعض المعتزلة ينادون بكونها لطف من الله ويحملون سمة اللطف علي الوجوب، فتحقق القول بوجوب العصمة حينئذ.
وحينئذ فمفهوم العصمة عندهم: أنها لطف من الله تعالى للنبي  .
مفهوم العصمة عند الأشاعرة:
يقول صاحب المواقف مصوراً رأي بعض أصحابه: "والعصمة عندنا ألا يخلق الله فيهم ذنباً." ومستندهم في ذلك:إسناد الأشياء كلها ابتداءً وبلا واسطة إلى الله تبارك وتعالى "وتبدوا نزعة الجبر في مآل الاختيار واضحة في هذا المفهوم باعتبار الصون تماماً عن أن يخلق الله فيهم ذنباً فليس لهم اختياراً في المعصية أوردها،فيتحقق فيهم الجبر،ومن ثم فاعتراضهم عن المعصية حين تحقق الوقوع ليس باختيارهم، وإنما لأن المعصية هم في مأمن منها كالملائكة تماماً بتمام.
ونظراً لهذا اعترض البعض بالقول: لماذا كان الأنبياء والرسل غير قادرين علي الإتيان بالمعصية مع أنهم بشر؟ وإن ثبت ذلك أليس هذا من قبيل نفي الاختيار عنهم فيكونون مجبورين؟
وحاول الإمام الرازي الإجابة علي هذا بقوله:" علي فرض مساواة الأنبياء والرسل لغيرهم في الخواص البدنية،إلا أن الله تعالي قد منحهم القدرة علي الطاعة،وهذا كاف في كونهم لا يستطيعون فعل المعصية."
وأجاب الأشعري قبله قائلاً:بأن هذا من قبيل تفضل الله علي بعض عبيده بالتوفيق والهدي حيث حبب إليهم الإيمان ـ وهذا من باب القول في الأفعال، خاصة مسألة التوفيق في الفعل أو الخذلان بالمنع أو بسلب الأسباب، وشرح صدورهم له،وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم راشدين."
ويتضح من سوق هذه التعريفات امتداد المسألة وصلتها بالأفعال الاختيارية،ذلك أن الإقدام علي المعصية ليس فيه إضرار،والقول بعدم خلق النـزعة إلي المعصية،إيقاع في الجبر،ويبدوا اتساق مذهب الأشعري في ربطه الكسب بالتوفيق الإلهي في عصمة الأنبياء، فحقق معني العصمة من خلال هذه النـزعة،لثبات التحقيق في الصدق الحاصل منهم ولهم،وكذا عدم الاعتراض عليهم في الفعل الصادر عنهم.
ولما كان لهذا التعريف تشققات كثيرة،نزع الكثير إلي البعد عنه حتى ذهب التفتازاني إلي القول:بأن العصمة هي أن لا يخلق الله فيهم الذنب مع بقاء القدرة والاختيار."
ولما كان التفتازاني من أصحاب الترجيح لمذهب الإرادة الجزئية في فعل العبد أراه وقد أفاد من خلال ذلك دخل للرسول في العصمة،لكنه حقق هذا الدخل بما حاصله بقاء القدرة والاختيار، ومع هذا أري في المسألة خلل،إذ بقاء القدرة والاختيار مع العدم الصرف لا يجدي بشيء،فصار التحقق غير موجود بالانتفاء العام.
وقال صاحب تحفة المريد:والعصمة هي حفظ الله للمكلف من الذنب مع استحالة وقوعه."
وهذا المفهوم يميل إلي ما صدر عن الأشعري بكون الذنب مرفوع والحفظ من الله تعالي دون تدخل للعبد، وفيه ميل واضح إلي مذهب الأشاعرة متقدمين ومتأخرين ومحققين،علي الميل إلي الكسب،وهو التحصيل كما سبق تقريره في أفعال العباد.
مفهوم العصمة عند الحنفية:
يذهب صاحب الكفاية:" العصمة لطف من الله تعالي بالعبد،يحمله علي فعل الخير، ويزجره عن الشر،مع بقاء الاختيار تحقيقاً للابتلاء." وبه قال شارح الفقه الأكبر."وعليه كان صاحب الصحائف الإلهية." وحققه صاحب الروضة البهية." وهـو المأثور عن الماتريدي."
ومجمل القول: أن الماتريدية يحققون هذا المعني بناء علي تحسين العقل وتقبيحه،وابتداراً لدفعة الاختيار المطلوبة لتحقق التكليف،وامتداح الصواب وزجر العقاب.
وذهب البعض إلى أن لها معاني أخري وهي:1-أنها تمثل الدرجة العليا من التقوى.2-أنها تمثل العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي.3-أنها تفسر بالاستشعار بعظمة الرب وجماله وجلاله.
لكن ما سبق من تعريفات آكد في إثبات معناها، وإن كانت تلك المعاني تفيد في توضيح المدلول التام لها.
العصمة


قبل النبوة بعد النبوة

عمداً سهواً عمداً سهواً

من الكفر من الكبائر من الصغائر

منفرة غير منفرة
اقوال العلماء في عصمة الأنبياء
العصمة في باب الاعتقاد عن الكفر
لقد اعتمد ابن الهمام مما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني من تجويز وقوع الكفر من الأنبياء قبل البعثة عقلاً وامتناعه سمعاً،وتأكيد الامتناع بدلالة وقوع المعجزة علي صدقه مع تصديقه وتوقيره.
قال ابن الهمام:وجوز القاضي الباقلاني وقوع الكفر قبل البعثة عقلاً،قال:وأما الوقوع فالذي صح عند أهل الأخبار والتواريخ،إنه لم يبعث من أشرك بالله طرفة عين،ولا من كان فاسقاً تاجراً ظلوماً،وإنما بعث من كان تقياً آمناً مشهور النسب،حسن التربية،والمرجع في ذلك قضية السمع،وموجب العقل التجويز والتوبة،ثم إظهار المعجزة يدل علي صدقهم وطهارة سريرتهم،فيجب توقيرهم،ويندفع النفور عنهم."
وأكد هذا القول في التحرير قائلاً:والحق أن لا يمتنع قبل البعثة كبيرة ولو كفر عقلاً.
وأما الواقع فالمتوارث أنه لم يبعث نبي قط أشرك بالله طرفة عين،ولا من نشأ فحاشاً سفيهاً،لنا: أنه لا مانع في العقل من الكمال بعد النقص،ورفع المانع."
وبهذا يذهب ابن الهمام إلي القول بجواز صدور الكفر من الأنبياء عقلاً قبل البعثة،وذلك باعتبار أنه لا مانع من الوصول إلي الكمال بعد النقص،من حيث تطبيق مبدأ العزم المصمم في الفعل الاختياري علي ما سبق إيراده.
فالعقل لا يميل ذلك، وإنما العادة الجارية قد أطبقت علي أن الله تعالي لم يبعث نبياً أشرك بالله طرفة عين، ومن ثم فالعصمة علي هذا مبينة علي التحسين والتقبيح الشرعيان، باعتبار أن المانع هو الشرع لا العقل، وعليه كان الاصفهاني."
أولاً:مذهب الأشاعرة:
ذهب الأشاعرة إلي وجوب عصمة الأنبياء قبل البعثة مطلقاً." قال التفتازاني: وفي عصمتهم عن سائر الذنوب تفصيل، وهو أنهم معصومون من الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع."
فالأمر هاهنا مؤد إلي أن الأشاعرة مجمعون علي امتناع الكفر قبل البعثة،إلا ما كان من الباقلاني،فلقد شذ عن الإجماع بالاعتبار السابق،ولقد نظرت في الإنصاف له وكذا التمهيد،فلم أجد مقالة التي ذكرها ابن الهمام وابن حزم،وأكثر الإشارات في ذلك بالرواية عن غيره أن الباقلاني قال،أما كتبه فليس منها شئ من هذا القبيل.
ومن ثم تري صاحب اليواقيت والجواهر يحكي عن الباقلاني الجواز أيضاً،وينقل عن صاحب المقاصد الجواز أيضاً،وكذا عن القاضي عياض في الشفا،وابن حزم كله في الفصل،والتجويز كله قائم علي ما ذكره ابن حزم في الفصل،قائلاً: إنه رأي في كتاب أبي جعفر السمناني قاضي الموصل صاحب الباقلاني:أنه كان يقول:وإن كل ذنب دق أو جل فإنه جائز علي الرسل حاشا الكذب في التبليغ،وجاز عليهم أن يكفروا."
والقصد في ذلك بيان أن ما ذكر عن الباقلاني إنما يرجع في أصله إلي قول أبي جعفر السمناني،وعليه كان الاعتماد في إظهار رأي الباقلاني وكيف كان مخالفاً لجمهور الأشاعرة قبل البعثة،وعليه اعتمد ابن الهمام في تصوير موقفه من هذه القضية وهو عندي يمثل رأياً ضعيفاً،وما كان لابن الهمام أن يقر برأي الباقلاني الذي لم يوجد في أصل كتبه سنداً له.
بل إذا كان هذا هو أصل موقفه فحقه التنبيه،كما نبه من قبل في الأفعال،وهو موقف يؤخذ عليه لا له، وأما بعد البعثة فالجمهور علي عصمتهم من الكفر بعد البعثة مطلقاً بالإجماع، ويمكنني التقريب في القول بأن الجواز الذي أثاره الباقلاني علي فرض تحققه إنما هو جواز عقلي لا تأكيد عقلي،ثم أفاض بعد ذلك في ثبوت العصمة باعتبار الواقع والتحقق،وهنا انتقل جواز العقلي،وبقي تحقق العصمة من الكفر مطلقاً،وبهذا تضامن قوله مع ما ذهبوا إليه.
ثانياً:مذهب الماتريدية:قال صاحب شرح بدء الأمالي: "فالأنبياء ـ عليهم السلام ـ معصومون عن أنواع الكفر مطلقاً قبل البعثة وبعدها بالإجماع." وبه قال صاحب إشارات المرام."وعليه كان صاحب العمدة فقال: " والعصمة عند الكفر ثابتة قبل الوحي وبعده." وإليه نبه صاحب الكفاية فقال: " والعصمة عند الكفر ثابتة قبل الإرسال وبعده عند عامة المسلمين." وحكي القاري أن الإجماع متوفر عند الماتريدية في ذلك."
ويتضح من هذا ذهاب الماتريدية إلي منع صدور الكفر من الأنبياء قبل البعثة وبعدها،لكن ما هو مدرك ذلك عندهم؟
والواقع أن مدرك ذلك هو السمع لا العقل، ومن ثم يتضح أن الأشاعرة والماتريدية يقولون بمنع صدور الكفر من الأنبياء قبل البعثة وبعدها،ومدرك ذلك السمع،وخالفهم المعتزلة في المدرك وقالوا: إن المدرك العقل." وابن الهمام والباقلاني علي الجواز عقلاً والمنع واقعاً وسمعاً،فاتفقوا مع الأشاعرة والماتريدية في السمع والمدرك،واختلفوا في الجواز العقلي.
وذهب الشيعة إلي جواز الكفر بعد البعثة تقيه،ومنع الكفر قبل مطلقاً،والمدرك لذلك هو العقل،كما ذكره ابن أبي الحديد."
واستشعر ابن الهمام اعترضاً يقول بناء علي ما جوزتم من الكفر قبل البعثة عقلاً،فإنه مفض إلي التنفير منهم واحتقارهم،ولهذا يتنافي بعثهم مع الحكمة من إرسالهم؟
وأجاب عن ذلك بما حاصله: أن ما زعمتم مبني علي التحسين والتقبيح العقليان وهو باطل، والأمر أنه بعد إثبات صفاء سريرتهم وحسن سيرتهم ينعكس حالهم في القلوب ويؤكد هذا الانعكاس دلالة المعجزة،والمشاهدة الواقعة به في أي انعكاس حالهم حينئذ في القلوب في آحاد انقاد الخلق إلي إجلالهم بعد العلم بما كانوا عليه من أحوال تنــافي ذلك،فلا معني لإنكاره."
وهكذا قدم ابن الهمام دليل جوازه،وإن كان يبدوا لي أنه تجاوز المدي المطلوب في هذه المسألة.
وحق له أن لا يتجاوزها واعتمد ما سمع عن الباقلاني،ولم ينص علي الباقلاني في مصنفاته شئ، اللهم إلا ما ذكر عنه ولم يدري أهو قول الباقلاني أم غيره؟
والأرجح ما عليه الجمهور من كونهم معصومين من الكفر قبل البعثة وبعدها،ولا حاجة للتأويل أو غيره.
عصمتهم من الكبائر. قبل البعثة وبعدها:
يري ابن الهمام أن الأنبياء معصومون من الكبائر مطلقاً قبل البعثة وبعدها شأن أهل السنة ولذا يقول:"وأما غيره[الكفر ] من الكبائر فالإجماع علي عصمتهم عن تعمدها،سوي الحشوية وبعض الخوارج،وتجويزها غلطاً وبتأويل خطأ إلا الشيعة فيهما." وأكد ذلك صاحب التقرير بقوله:"والمقصود من بعض الخوارج الأزارقة حتى جوزوا عليهم الكفر فقالوا: يجوز بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته، والفضيلية منهم أيضاً فجوزوا صدور الذنب منهم مع اعتقادهم أن الذنب كفر ثم الأكثر علي أن امتناعه مستفاد من السمع وإجماع الأمة قبل ظهور المخالفين فيه إذ العصمة فيما وراء التبليغ غير واجبة عقلاً، والمعتزلة علي أنه مستفاد من العقل بناء علي أصولهم الفاسدة وعلي تجويزها أي الكبائر غلطاً وبتأويل خطأ إلا الشيعة فيهما أي في فعلهما غلطاً،وفعلهما بتأويل خطأ هذا علي ما في البديع لابن الهمام وغيره".
وبهذا يؤكد ابن الهمام علي أن الكبائر قد عصم منها الأنبياء قبل البعثة وبعدها عمداً أو سهواً كما هو المعول عليه في فكر أهل السنة جميعاً من الأشاعرة والماتريدية، وإن كان الحشوية وبعض الخوارج (الأزارقة) رأي في النقض لكنه يري أن مجرد تجويزهم ولو عقلاً خطأ وكذا إن هموا بالتأويل فهو تأويل باطل.
ونظر كذلك فإذا المعتزلة أيضاً يمنعون تعمد الكبائر قبل البعثة وسهوها أيضاً لكن عقلاً، أشار إلي ذلك بقوله:"ومنع المعتزلة قبل البعثة أيضاً للوجه الذي منعنا به الكفر قبلها وهو التنفير عنه وعدم الانقياد له."
ولوامح كلامهم تفيد تجويز الكبائر قبل البعثة سهواً، لكن ليس هذا مذهب الكل أي أن المعتزلة يمنعون صدور الكبائر قبل البعثة باعتبار الوقوع وعدمه بناء علي أنها منفرة، ومن ثم فالجواز لائح من كلامهم بأن المحدد لكونها كبيرة أو صغيرة تحقق البعثة، وهم لم يبعثوا بعد وقد اتفق علي هذا صاحب الكفاية." وشارح الفقه الأكبر."وصاحب العمدة." وصاحب إشارات المرام." وبه قال الغزنوي." وعليـه كان القاري.".
والحق أن مآل ما ذهب إليه الحنفية هو منع تعمد الكبائر بعد البعثة مطلقاً،أما قبل البعثة فالتجويز علي الندرة سهواً ولكن ينقضه الواقع،ويبدوا أن الندرة المثبتة عندهم كحالة موسى في قتله الإسرائيلي وفعل إخوة يوسف وهذه الأمور لم يغفل عن ذكرها ابن الهمام ولكن الأصل عنده هو تأصيل القضية في ذاتها دون عروج عما يخرجه عن هذا التأصيل،ومن ثم لم يتعرض للحديث عن عصمة الأنبياء علي التفصيل وإنما كل همه هو تقنين القواعد لعصمتهم ويأتي الحديث عنهم لاحقاً عند غيره.
وقد أشار صاحب الروضة البهية." وكذا صاحب الصحائف الإلهية إلي ندرة التجويز وقيل: إنها تقع لحالات ثلاثة:
الأولي: السهو والنسيان. الثانية:تـــرك الأولي. الثالثة: اشتباه المنهي بالمباح.
وأشار إلي ذلك الأصفهاني في المطالع."، وأما جمهور الأشاعرة فاتفقوا علي منع صدور الكيبرة عنهم قبل البعثة وبعدها عمداً أو سهواً وبه قال القاضي عياض في الشفاء."،وكذا السعد في المقاصد."،والرازي في عصمة الأنبياء."،وعليه كان الأصفهاني."،وأصحاب الحواشي."
وأري أن ما ذهب إليه الأشاعرة أولي بالثبات، فالذين يصطفيهم الله من خلقه ليرسلهم إلينا فلابد أن يكونوا محل عنايته، وحفظه تعالي، فهو القادر علي أن يجنبهم ما انغمست فيه البيئة من الفساد والانحراف، والمسألة إلي مشيئة الله وقدرته راجعة، وهذا بناء علي أن المعلوم عندهم أن المسألة علي بناء السمع واقعة متحققة.
ولا يعني هذا رد ما جاء علي لسان الأحناف، ولكن للأحناف وجهة نظر تفيض بالحسن وتخفيف ثقل الاشتباه والاعتراض بما جاء في آثارهم من الشبهة الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فإن قوبلوا بالشبهة قالوا: المذهب عندنا هو تجويز الكبيرة قبل البعثة ندرة، فما حدث لآدم كان قبل البعثة وكان سهواً، وكذا ما حدث لموسي وإبراهيم، وهنا يحمل التخفف من ثقل الاعتراض.
وأرى أن ابن الهمام في هذه المسألة قد تابع الأشاعرة من جانب ما أشرت عند المفهوم، وأما تحقيقه في مفهومه الثاني فيميل إلي العزم المصمم في الأفعال، وإن كان في صدور الكفر له جانب إلي المعتزلة باعتبار الجواز العقلي، وأما بالنسبة للكبائر فهو يميل إلي ما ذهب إليه الأشاعرة.
عصمتهم من الصغائر قبل البعثة وبعدها عمداً أو سهواً
تبين حافة الخلاف في هذه المسألة بوضوح شديد فيما بين الفرق الكلامية، وقد أبان ذلك ابن الهمام بما يخصص محل النزاع فحرره كما هو المعهود عليه.
وجاء كنه الخلاف واضحاً من خلال القول: هل يمكن صدور الصغيرة من النبي قبل البعثة؟ وإن صدرت منه، فهل يمكن صدورها عمداً أو سهواً؟ أو يمكن صدورها بعد البعثة، وإن صدرت منه عمدا فما الحكم، وإن كانت سهواً فما الحكم؟
وأصب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://drshehata.alhamuntada.com
 
الملف الثالث من المحاضرة السادسة إلى التاسعة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته :: قسم خاص بكلية التربية تفهنا الأشراف :: محاضرات-
انتقل الى: