الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته

لايعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف اهله
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي أنتقل الي رحمة الله تعالي الي الرفيق الاعلي فضيلة الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته وذلك يوم الاربعاء الموافق 21/11/2012

شاطر | 
 

 الملف الأول في المحاضرات الكاملة من الأولى للثالثة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د محمد
Admin


عدد المساهمات : 87
تاريخ التسجيل : 08/02/2011

مُساهمةموضوع: الملف الأول في المحاضرات الكاملة من الأولى للثالثة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف    الأربعاء أبريل 18, 2012 10:08 am

المحاضرة الأولى :
في أسماء العلم وثمرته، وفائدته، وموضوعه، ومسائله:
أسماء العلم ولماذا سمي بها.
ذهب العلماء إلى أن هذا العلم له أسماء كثيرة، وكثرة أسمائه تدل على رفعته وشرفه، فمن هذه الأسماء:
1-علم الكلام، وسمي بذلك لأمور: منها: أن أول مسألة ظهرت من مسائله كانت مسألة كلام الله، وقد حدث نزاع فيها بين المعتزلة القائلون بأن كلام الله حادث، وكان ذلك رداً منهم على النصارى الذاهبين إلى أن المسيح كلمة الله، وكلام الله قديم، فيكون المسيح قديماً، والقديم إله، فيصير المسيح إله، ذهب المعتزلة إلى القول بأن المسيح كلمة الله حقاً كما جاء به القرآن الكريم في سورة النساء ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) لكن كلام الله حادث لأنه مخلوق، ومنه أنه تعالى خلقه كما في العليقة لموسى، وخلقه في اللوح المحفوظ، وهكذا، ففي مقام الرد على النصارى تمسك المعتزلة بأن القرآن مخلوق وحادث، وحولوا المسالأة إلى ناحية سياسية بحتة، وذلك لكونهم ملكوا زمام الحكم في البلاد فمنهم الوزراء، وكذا ما تحتهم، واستقطبوا على ذلك الولاة من بني العباس كالمأمون والرشيد، والواثق وغيرهم، وهنا أصدروا فرماناً أن تدين البلاد على سعتها بمذهب أن القرآن مخلوق، ووقف من هذا المذهب الكثير من العلماء، وهنا ظهرت الفتنة، فسمع البخاري فاراً وهو يقول: اللهم اقبضني إليك غير مفتون، فمات بعدها بثلاثة أيام، وسجن عيسى بن دينار عشرين سنة، وعذب أحمد بن حنبل وحبس ومنع الحديث والتحديث مدة سبع سنين، وعذب حتى غشي عليه مرات وكادت نفسه أن تتلف، ومات في هذه المحنة محمد بن نوح تلميذ أحمد، وسئل البخاري، فقال: أما التوراة والإنجيل والزبور والقرآن فرفع يديه ونثر أصابعه الأربعة ثم قال: هذه الأربعة حادثة، وكان هذا سبب نجاته، ثم ظهرت في المسألة إلزامات كثيرة ذكرها العلماء في كتبهم وكانت من أسباب انجلاء الفتنة: منها: دخل رجل على المأمون، فقال له: تعز، فقال المأمون فيمن؟ فقال الرجل: مات القرآن، فقال المأمون: كيف؟ فقال الرجل: ألستم تقولون: إن القرآن مخلوق، وطبعاً كل مخلوق يموت، فالقرآن يموت، فما بالك إن مات القرآن في شعبان فبماذا يقوم الناس القيام في رمضان؟ ّ!! فقال المأمون: أخرجوا عني هذا المجنون، ثم جلس يكرر الإلزامين.
وانجلت المحنة بعد إصرار أحمد على القول بأن القرآن كلام الله تعالى ولا يزيد، فرفع المحنة المتوكل، فظهر الفقهاء والمحدثون، وتوراى أهل الاعتزال نوعاً ما من على الساحة السياسية.
وبناء عليه فهذه المشكلة التي امتد نارها إلى كل البيوت، وطالت كل العلماء، كانت بمثابة التأصيل لعلم الكلام الذي اهتم بهذه المسألة فيما بعد، وحدها أهل السنة بمسألة كلام الله تعالى التي قسموها إلى قسمين: كلام نفسي وهو القديم، وهو القائم باللفظ، وكلام لفظي: وعليه لا يقال مخلوق، وإنما يقال كلام الله تعالى، إذ لو قال الإنسان القرآن مخلوق لأوهم وحدث لبس كثير، ولكن يكتفى بالقول: كلام الله، ولا يبتعد عن ذلك إلا في مقام التعليم، وإلا كان فيهع إساءة أدب.
وأيضاً: سمى علم الكلام بعلم الكلام: لأن المصنفون فيه كانوا إذا أرادوا أن يبوبوا باباً في مسألة ما يقولون: الكلام في كذا، فمثلاً يقولون: الكلام في صفة القدرة، الكلام في الرؤية، وهكذا...
وأيضاً: سمى بعلم الكلام: لكثرة ما فيه من الكلام، ويقصد بالكلام هنا كلام الشخص والخصوم، وهي الشبهات الواردة من الخصوم وتحتاج إلى رد، فيصير هذا يتكلم، وهذا يتكلم، فسمى بالكلام لما يرد من الطرف والطرف الآخر.
وسمى أيضاً بعلم الكلام، بناء على أن أول من تحدث في هذه المسائل المعتزلة بطريقة الكلام، فسمو بالمتكلمين أي الذين أدخلوا الفلسفة في الدين، وكل من أدخل الفلسفة في الدين فهو متكلم، فأطلقوا على هؤلاء المتكلمين.
2-علم العقيدة: ويعنى بها أنها العلم الذي اتخذ من الأمور العقدية مسائل له يتحدث فيها لا يغادرها إلى غيرها، وهذا باعتبار تجريد علم العقيدة من مسائل الفلسفة التي طرأت عليه من فلاسفة اليونان وعلى يد أهل الاعتزال وفلاسفة الإسلام، والعقيدة يعني بها: الربط والإحكام، وعليه فالعقيدة هي الرباط الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وذهب البعض إلى أن العقيدة: فن يقتدر معه على إثبات العقائد الإسلامية، ورد الشبهات عنها، وذهب البعض إلى أن علم العقيدة: هو العلم الحاصل من معرفة الواجبات والجائزات والمستحيلات في حق الله وحق الرسل، والتكلم في السمعيات وإيراد الأدلة العقلية والنقلية على إثباتها.
ويلاحظ أن هناك فرقاً بين العقيدة كاعتقاد، وعلم العقيدة، والفرق واضح في أن العقيدة حالة الفرد المتدين التي يتمسك بها، فعلى طريق تمسكه نقول يعتقد، أما العلم فهو نماذج، أو قوانين تظهر مسائل العقيدة وتعالجها وفق طبيعة معينة، ومن هذه المعالجات إما المعالجة عن طريق النقل فقط؛ أي القرآن والسنة والإجماع، أو على طريق العقل فقط كما ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة والفلاسفة، أو اختلاط العقل بالنقل مع ترجيح جانب النقل، أو مزج العقل بالنقل مع ترجيح جانب العقل، وهكذا، ولذا لا يمكننا القول بأن علم العقيدة مؤثر في الاعتقاد، وإنما موصل إليه، وفرق كبير بين العلم والحالة، تماماً كالأخلاق، وعلم الأخلاق، فالفرق بينهما كبير، غير أن أحدهما هو الفعل، والثاني قوانين موصلة، لذا لا تعجب أن تجد دراساً للعقيدة ليس لديه عقيدة، لأنه امتهن العلم وأجاد فيه لكنه في ذاته لم يجد لعلمه صدى في نفسه، تماماً كمن يدرس الدين المسيحي مثلاً وهو مسلم، فلا يؤثر فيه ما يدرسه، مع أنه أجاد فيه، وقد كان من علماء المسلمين المشهود لهم بالتقى والورع والعلم من يجيد الدين النصراني، حتى أن بعض النصاري إذا عن لهم أمر كانوا يسألونه، ومع هذا لم يعتقد هذا الدين بل إنه بقي على دينه متمسكاً به كالموصلي مثلاً، وهناك من علماء النصارى من يدّرس الدين الإسلامي ويجيد فيه، وانظر إن شئت إلى المستشرقين في بلاد الغرب الذين يدرس على ايديهم طلاب بعثات الماجستير والدكتوراه المبعوثون من البلاد الإسلامية وجامعة الأزهر لأخذ الدكتوراه من الغرب فإنهم يدرسون الدين الإسلامي على يد هؤلاء، وليس معنى هذا أن المدرسين مسلمين، وإنما أجادوا الدين الإسلامي، وكذا ليس معناه أن الطلبة المسلمين يتحولون عن الإسلام لأن من يقوم بالتدريس لهم للإسلام ليس بمسلم، وهكذا، فالتدين حالة، أما امتهان العمل فحالة ثانية؛ لذا فالاعتقاد شيء، وعلم العقيدة شيء آخر؛ لكن أن أردت أن تثبت العقيدة في قلبك وتتمتع بها عن دراسة واعية مفصلة فعليك بعلم العقيدة الخالي عن الشبهات وآراء المشوشين.
3-علم التوحيد: وسمى بذلك لأنه العلم الذي يعمل على بعث التوحيد في النفوس، وأن التوحيد هو الأساس الذي بعث لأجله الرسل، وهذا العلم هو الذي أشار إلى ذلك وتبناه، خاصة وأن من صفات الله تعالى صفة التوحيد التي هي النتيجة الحقيقية للصفات السلبية، وهي القدم والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، فتصير الذات التي اتصفت بهذه الصفات جديرة بالتفرد عما سواها، فتصير الوحدانية ديناً وعقيدة.
وذهب البعض إلى أن التسمية بعلم التوحيد لأنه يقرر التوحيد لله تعالى وإفراده بالعبادة دونما سواه، فكل ما يدور ببالك، فالله بخلاف ذلك، والتوحيد هو السمة التي اتسم بها المسلمون لأنهم لا يعددون كما النصارى القائلون بأن الله ثلاثة في ثلاثة، فهو عبارة عن أقانيم منفصلة عن بعضها البعض، فالله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، ويفهمون اعتقادهم ودينهم على هذا الوضع، ويقولون في المهاية وهم واحد، وقد أحذ هذا الأمر خلللاً عن البعض، فاتهموا المسلمين بالتعدد أيضاً، وذلك لما حدث من مشاكل كلامية حول الصفات الإلهية، وحول الأسماء الإلهية، فحاول البعض من المسلمين أن ينزه فوقع في العدمية، وحاول البعض أن يجرد ويفرد فنفى أن يكون لله صفاتاً وأسماءاً، وهكذا، غير أن ما عليه المسلمون أن لله تعالى أسماءاً كما جاء في الحديث الشريف ( إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة ) ووردت هذه الأسماء على الإفراد في القرآن الكريم، كما في آخر سورة الحشر، والقرآن مليئ بذلك، غير أنه يجب أن نفهم أن كثرة الأسماء لا تدل على تعدد الذات، لكن البعض أساء الفهم خاصة في مقام التنزيه المطلق فإنهم يقولون إن لله أسماء لكن اتصاله بها ليس كاتصالنا بأسماءنا، فبالغ في المسألة حتى وجدنا أنفسنا أمام أحد أمرين أحلاهما مر، إما أن نثبت الأسماء فنقع في التعدد، أو ننفي الأسماء بحجة التوحيد فنقع في العدم، وتطرق هذا إلى الصفات، وصاحب المسألة جدل كبير حتى ذهب البعض إلى نفي الصفات بحجة أن إثباتها يفضي إلى التعدد في الذات بما ينافي الوحدانية التي تميز بها الدين الإسلامي، وعليه فإنا نقول: إن توحيد الله تعالى لا يفضي إلى تعدد، وإنما إفراد المعبود بالعبادة وفي المسألة تفصيل في مظانه عند الحديث عن صفة الوحدانية، غير أن ينبغي أيضاً أن نفرق بين علم التوحيد، والتوحيد، فليس علم التوحيد هو التوحيد، إذ التوحيد الوضع القائم بالموحد، أما علم التوحيد فهو القوانين والمناهج التي وضعها العلماء للوصول إلى التوحيد أو شرح المناهج الموصلة لذلك مع إقرار الأدلة التي توصل إلى ذلك، ومع هذا فليس كل من قال إني أوحد الله موحد، أو صاحب قول بالتوحيد، وذلك لوجود كثير من الاحتمالات في ذلك، أو وجود أساليب تنقض التوحيد، منها القول بوحدة الوجود، ومنها: القول بالحلول والاتحاد، ومنها القول بالوساطة، ومنها التمسك بالمخلوقين عند إرادة مصلحة ما، ومنها الوسيلة، هذا من أوضاع التشريك مع الله تعالى، لكن لكل درجة منها الحكم الذي يلائمها، فصاحب القول بوحدة الوجود، غير القائل بالحلول والاتحاد، غير القائل بالوسيلة، غير القائم بالتشريك وهكذا.
ولربما كنت موحداً معتقداً بالتوحيد لكنك تجهل أن أسلوب الوسيلة من الشركيات، فلك حكم، أو أنك خدعك بعض المأجورين على الدين فأفتاك بحلية ما تفعل، وفي المسألة تفصيل في مظانه عند الحديث عن الولاية والأولياء.
4-علم الفقه الأكبر: وأول من أطلق عليه هذا الاسم هو الإمام أبو حنيفة النعمان، وذلك تفرقة بينه وبين علم الفقه الأصغر المعني به التكليفات والتشريعات، وسمي بالفغقه الأكبر لأن من فهمه كان قد أحاط بالأصول الدينية، بقي له تمام العمل، والعمل يأتي من فهم التكليفات والتشريعات، فبقي أن الفقه الأكبر هو العلم الموصل إلى فهم الدين فهماً صحيحاً لا تجاوز فيه، ولا مصلحة منه إلا للعبد المعتقد، وعليه كان العمل رافعاً للدرجات غير مؤثر في الاعتقاد، وسار على هذا الأئمة من الماتريدية الذين ذهبوا إلى أن العمل لا شرط ولاشطر، وإنما الإيمان هو التصديق، ولا فرق بين تصديق وتصديق إذ التصديق عمل القلب، والعمل بالتكليفات عمل الجوارج، عليه فلا يزيد الإيمان ولا ينقص عند الأحناف، وهو ما خالف فيه الشافعي واصحابه، فذهبوا إلى أن الإيمان إقرار وتصديق وعمل، وخالف في هذا الأشعري في أحد قوليه، وتفصيل المسألة في الإيمان إن شاء الله.
5-علم أصول الدين: وسمى بعلم اصول الدين وذلك لأنه يهتم بمسائل الأصول، والأصول هي: الإيمان بالله تعالى ذاتاً وصفاتاً وافعالاً، والإيمان بالملائكة التي هي رمز لعالم المجردات، والإيمان بالرسل الذين ارسلهم الله تعالى لتبليغ منا امرهم به لعباده ليرشدوهم إلى طريق الخلاص والجنة، ويزودوا بهم عن طريق النار، وأيدهم بالمعجزات التي تثبت حجتهم، وتؤكد إرسالهم، والمعجزات هي الطرق الأكيدة والأدلة الدامغة في إثبات صدق الرسول، ومنها الإيمان بالكتب التي جاء بها الرسل كدساتير منظمة لحياة البشر، ولا يمكن الجنوح عن هذه الدساتير الإلهية إلا في حالة الفوضى البشرية، وأثبت أن ما يحاول مجلس الشعب الآن فعله هو البداية الخاطئة التي ستنهي كل شيء، لأن الشعب ما اختارهم إلا ليكون شرع الله هو الحاكم، لكن اللجنة المنظمة، وعدد المنظمين، وأعضاء اللجنة، ويجب ان يكون في لجنة المائة من جميع طوائف الشعب ممثلين عنهم في صياغة الدستور، لن يفضي إلا إلى خراب ودمار، فنداء للجميع هذه اللجنة التأسيسية التي يطالب بها المجلس العسكري غير الشرعي في حكم البلاد، إنما هو تمامية سيناريوا يقاد إليه الإسلاميون رغماً عنهم، وبالتالي فلا يرون طريقاً آخر إلا السير وفق ما حددته لهم السياسة الأمريكية التي ما تزال ترسم للمجلس العسكري طريق حكم البلاد، وع استمرار حالة الفوضى التي في النهاية ستنسب إلى مجلس الشعب، فيا أعضاء مجلسي الشعب والشوري نجاحكم فخ كبير أراد المجلس العسكري ونظام مبارك أن يفقدوا أمل الشعب فيكم، فساعة أن تنهزموا سيخرجون عليكم جميعاً ويقولون: لقد أعطيناكم السلطة لكنكم لم تستطيعوا إدراة البلاد، فلتبتعدوا عن سدة الحكم وتتركونا نديرها حسبما نشاء، وهنا يقطع الأمل تماماً ولا تعودوا إلا جماعات محذورة كما كنتم في السابق، فاعلموا أن الكماشة قد نصبت لكم، فابحثوا عن الأصول ودعكم من التفاهات التي يشغلكم بها المجلس العسكري ونظام مبارك الشاذ، حتى يضيع الوقت، وبالتالي يرجع الحكم إلى ما كان عليه فانتبهوا.
ثم يكون الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وميزان، وصراط، وعقاب، وجحنة يجد فيها المحسن إحسانه، ونار يجازي فيهالا المسيء بإساءته، ثم يكون الإيمان بالقضاء والقدر حلوه ومره، خيره وشره، بمعنى إرجاع المسائل إلى الله تعالى فهو الخالق لها، ولا يعني هذا الجبر فالإنسان إن أخطأ فسئل يقول قضى الله علي ذلك وقدره فهو كاذب، لكن الله خالق والعبد كاسب، وفي المسألة تفصيل عند الحديث عن أفعال العباد.
6-عدم الجدل ورد الشبهات: وأطلق عليه هذا الاسم باعتبار أن القائمين عليه يقومون بتفصح ما يقوم به الملحدون الأشقياء، أو النصارى أو اليهود، أو حتى العلمانيين من إلقاء شبه من الممكن أن تؤثر في ضعاف العقول أو أوساط المثقفين، خاصة الذين لا يعرفون طرق الجدل أو العلوم الموصلة إلي ذلك، فيتخذون منهم غرضاً يرمى به الإسلام والمسلمون، وقديماً ظهر هذا القول عند بروز بعض أصحاب الحديث على بعض المتكلمين والفلاسفة فقالوا لهم: من معه العامة فلا يحتج لشيء من التأييد إلا تأييد الله سبحانه وتعالى، لأن العامة كثير، وهم لا يأخذون إلا بما تسطيع أن تؤثر فيهم من أي طريق سواء أكان طريق الوعظ، او طريق الشعر، أو طريق مخاطبة الوجدان، أو استثارة العواطف، أو الالتجاء نحو وعظية دينية وهكذا، وهذا كله غير مطلوب في تأسيس الاعتقاد، أو الرجوع إلى منهج سليم في الحياة، فطالما أننا اعتقدنا وسلمنا بأن للوجود رباً واحداً، وتمسكنا بهذا الاعتقاد وسبيله، وآمنت بأنك راجع إليه مهما طال الزمان أو قصر فهو المعتقد الذي عليه نحيا، فلابد أن تعرف أن أصحاب الهوى، وأهل المحن وجالبوا المحن لن يتركوك على هذا الأمر، وإنما يثيرون الشبهة تلو الأخرى حتى لا تفيق من واحدة إلا أتبعوك بالأخرى، حتى لا تجد لك سبيلاً حقيقياً لمعتقد صحيح، لذا وضع هذا العلم للرد على هذه الفينة أو الطغمة الذين إما عدوا من الخارج أي من خارج بلدك، أو من خارج دينك ومعتقدك، أو من الذين صاحبتهم الأهواء والمحن، فهم إما مخادعون أو فساق أو غيرهم، وعليه كان هذا العلم للرد على ما يثيرون من هذه الشبهات بأكثر من طريق.
ونكتفي بعرض هذه الأسماء، وإلا فإن المسألة تطول، ومعالجات هذه المسائل المشار إليها إن شاء الله ستكون في مظانها من عرض المسائل تفصيلاً، فراجعها.
ثانياً: ثمرة هذا العلم وفائدته:
سبق أن ذكرت أن هناك فرق بين العقيدة وعلم العقيدة، لكن العلم إن فهم على أساس وضعه تكون الثمرة المرجوة، وهو السعادة في العاجل، والآجل، فما الذي يتطلبه المرء في حياته التي ملئت بالكثير من الأساءات، ومحاولات الازدراء، بل ومحاولات نكسة العقل التي من خلالها يتفوق أصحاب الأهواء على أهل العقول، فيضايقونهم بما يستطيعون، وذلك لأنهم لا يريدون سلاماً أو شفاءاً للمجتمع من الآفات التي خلدوها، وتترى يحاولون تدمير أهل العقل، وهكذا، لكنا نرى من خلال هذا العلم وتعلمه أن له فائدة عظيمة وهي: الصبر على لاواء هؤلاء ومكرهم، والتاريخ يثبت هذا بما لا يدع مجالاً للشك، فليس الظالم باق مخلد، وإنما يملي الله تعاللى للظالمين حتى يظنون أنهم ليس غيرهم فيأخذهم فلا يفلتهم كما اشار إلى ذلك الهادي ، وقال الحق تعالى ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) وهنا تظهر فائدة هذا العلم في أنه يعلم الظالمين مآلهم، وأنهم مهما خلدوا في الدنيا وأملي لهم فهم إلى زوال، وكذا يعزز الاعتقاد عند المظلومين المقهورين أنهم لن يضيع حقهم سدى، إنما هم إلى رفعة وشرف، فهؤلاء في حياتهم الخلودية معززون، والظالمون في حياتهم الخلودية مقهورين عاجزين.
ثم تكون الثمرة الحقيقية في الإيمان، وهذا الأمر ليس سهلاً في الاعتقاد فدعك من الكلام، وعليك أن تحول الكلام إلى حقيقة، لأنك بهذا التحويل تنال الرفعة، وتأخذ الحق، ويتيسر لك الأمر، وقد ساق العلماء في ثمرة وفائدة علم العقيدة مساقات كثر،وقسموها إلى أقسام منها: فائدة تعود على الإنسان في العاجل، وفوائد تعود عليه في الآجل، لكن هذه المساقات كلها تخرج من تحت عباءة الإيمان، فإن اعتقدت حقاً فهذا الاعتقاد يوصلك إلى النفع كله، وإن لم تعتقد حقاً فهذا الازدراء يوصلك إلى الفساد والمحق كله فراعه.
ثالثاً: موضوعه ومسائله:اتفق العلماء على أن موضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي تقيم بنيانه، وعليه فإن علم الكلام يقوم على البحث في ذات الله تعالى وما يوصل إلى الإيمان به تعالى، من حيث ما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل، وفي الرسل وما يجب لهم وما يجوز في حقهم، وما يستحيل عليهم، وكذا الإيمان بالقضاء والقدر، واليوم الآخر وما فيه من الغيبيات، وبذلك نرى أن علم العقيدة جل اهتمامة على الناحية العملية، فلا يترك علماً إلا وهو داخل فيه، ومعنى هذا أن علم العقيدة هو أم العلوم، واهتمامه بتربية الإنسان على الفضيلة والواجب، بتعريفه حقه ومستحقه، ولا يغني عن ذلك التفات المرء إلى باقي العلوم، لكن الواجب على الإنسان أولاً معرفة العقيدة، ثم التطرق إلى ما بعدها.
ولا نسير مع وراء قول البعض بأن علم الكلام لا فائدة فيه، ونرد عليهم بقول القائل:
عاب الكلام أناس لا خلاق لهم وما عليـــه إذا عابــــــــــــــــــوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
ومن ثم فموضوع علم الكلام معرفة الواجبات والجائزات والمستحيلات، وتوثيق الإيمان كما جاء به الشارع الحكيم، ولا يغني هذا من معرفة غيره، وإنما هو بمثابة الأم الرؤوم التي تحنو على بنيها، فتعطيهم الأمان، هكذا علم العقيدة وسائر العلوم.
وبعد أن أوردنا مقدمة إجمالية في أسماء العلم، وثمرته، وموضوعه، علينا ان نذكر ما المقصود بالدليل العقلي، والدليل النقلي، وما فائدة ذلك في تأسيس علم العقيدة.


مسألة: الدليل العقلي والدليل النقلي وحجيتهما، وفائدتهما في مسائل الاعتقاد.
الدليل النقلي: هو الحجة النصية المأثورة عن الله تعالى أو عن رسوله  في عرض أصول الاعتقاد والإيمان به، ولذا أشار العلماء إلى الدليل بمعنى الهداية، فهو الهادي إلى الشيء المراد، ولنا أن نقول: إن الدليل النقلي أولاً هو القرآن الكريم، فمنه الاستمداد الحقيقي، وهو الأساس التشريعي، والقرآن الكريم كله متواتر لفظاً ومعنى، فهو قطعي الثبوت والورود والدلالة، وهو الذي أسس عليه علم العقيدة، أقيم عليه رد الشبهات، وانيط به الوقوف على المسلمات.
ثم تأتي السنة النبوية: وهي ما اثر عن النبي  في المسائل التي تثبت اليقين في النفس، وتطلع على اليقين في القلب، وذهب العلماء إلى أن السنة التي يبنى عليها الاعتقاد هي السنة المتواترة الصحيحة، واعتبارها حجة قطعية لا ترد، ونشأ خلاف في أحاديث الآحاد، فذهب البعض إلى أنه لا يصح الاستدلال بها في الاعتقاد، وتكفي في غير العقيدة، وذهب البعض إلى جواز الأخذ بها في الاعتقاد بمثابة التقوية والاستشهاد، وعلى كل فالذاهبون إلى المنع كان منعهم من باب أخذ الحيطة والحذر، والذاهبون إلى القبول كان بمثابة التقوية والاستشهاد، ورأيهم أيضاً أنها لا تؤخذ بمفردها وإنما تأتي للتقوية والاسترشاد فافهم.
وهناك طرف ثالث وهو الإجماع: أخذاً من قوله  لا تجتمع أمتى على ضلالة، ويردفه الاجتهاد، وهو المبني على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأراؤهم الثابتة التي قويت نسبتها إليهم.
والدليل النقلي بأطرافه حجة ثابتة اولى في معايير الإيمان بالعقيدة ومسائلها والاستدلال بهذا الدليل على تلك المسائل، وهناك بعض الأطراف في الاقتصار على هذا الدليل فقط دون الالتفات إلى غيره من الأدلة، وهم أهل الظاهر؛ لكني ارى أنهم ـ وهذا يكون شاذاًَ ـ إن اقتصروا على هذا الدليل فقط دون أن يكون هناك غيره فهؤلاء لا يستحقون انتمائهم إلى الدين، لأنهم يخربون لا يصلحون، ولأنهم لا يعقلون، وهذا فعل الخوارج فانظر إلى مقدار فسادهم أمام إيمانهم، أما الذين يقولون بان هذا الدليل هو الأصل، وما عداه تابع له أو مقو له، أو مؤكد على ما يقول بمثابة توارد الأدلة على مدلول واحد فيزيد من الاقتناع أو التثبيت وهكذا، فهؤلاء هو الذين فهموا نداءات الحق المتكررة ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﭼ الرعد: ٤ ﭽ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ ق: ٣٧ وكثير.
الدليل العقلي: وهو الحجة العقلية التي تأتي لتثبيت قضية ما أو مسألة ما من المسائل المطروحة في العقيدة أو غيرها، ويقوم الدليل العقلي على أصول منهجية قررها المناطقة أو أهل الأصول، واعتبر العلماء الدليل العقلي من أبواب الحجة في الإقناع بالمسألة المطروحة، وحين وجود دليل نقلي في المسألة يكون الاحتمام إلى الدليل العقلي من باب التأكيد والتقوية والاستشهاد، وعند عدم وجود دليل نقلي يكون الدليل له الحجة الكافية في التأييد أو الرفض، وبعض المسائل ربما يوهم فيها الدليل النقلي خاصة مع كونها من المتشابهات، فنحتاج إلى ضابط للتنزيه فلا يكون إلا مع الدليل العقلي، وهكذا...، فالأصل هو النقل، وإن لم يوجد في النقل ما يثبت، عند عدم فهم أو معرفة بالدليل النقلي ما وجدنا غير الدليل العقلي كحجة.
ومن ثم تبين فائدة الدليل النقلي والعقلي في العقيدة بانهما المرسخان المثبتان المقويان لهذه العقيدة عند الأتباع، فالدليل النقلي يقدم الاحترام والتقدير للمسألة المطروحة، ويغني عن غيره في كون الخالبق المطلع على الأمور هو الذي ثبت اركانها بكلامه، وكذا الرسول المبلغ الذي لا ينطق عن الهوى، بل أتاه الوحي من عند الله لتبليغ ما اراده الله تعالى، فهو حفي يحقق المعالم والأصول، ويثبت اركان الدين الذي ندين به، ومن غير المعقول: أن نكون مسلمين، ولدينا رسول، وندين لله رب العالمين، ولدينا دستور، وهو القرآن الكريم ثم نذهب إلى الدساتير البشرية لنأخذ منها ما يتماشى مع حياتنا، ومن المعلوم أن الفكر البشري دائماً ما يخضع للقصور، فإذا كان الفكر البشري المنظم للدستور هو الذي له الريادة والحكم في البلاد، مع اننا مسلمين ولنا القرآن الكريم دستوراً، أحكمه الله تعالي ليتماشي مع مصالح العباد، للالتزام به ديناً وشريعة ، وحكماً وقضاءاً وأخلاقاً ومعاملات، وحدود، وأيما إنسان أو دولة دانت بالإسلام والتمست التشريع في غير ما انزل الله تعالى فقد كتب الله عليها الوهن والضعف والخزي والضلال، فحذار ثم حذار مما يفعله المتآمرون بالدين سواء انتسبوا إليه او انتسبوا إلى فرق كالعلمانية الوضيعة، او الليبرالية الآفنة، أو الديمقراطية العفنة، أو البرجوازية الآثمة، أو الاشتراكية الكاذبة، أو البرجماتية المضللة، كل هذه الفلسفات داعية إلى الاشمئزاز من الدين والتديم، وراعيها هم اليهود والنصارى والملحدون واصحاب الهوى والشهوات، لذا فالعقيدة الإسلامية تقوم على محوري النقل والعقل، وبهما يلتمس الإنسان الصلاح في الحال، والسعادة في المآل، وبهذا تكون فائدة الدليل النقلي والدليل العقلي في كونهما الحجة الراسخة لبيان معالم الدين الصالح لقيادة البشرية في كافة السنين والأعوام، وفي كل الأحوال، ومع جميع الفلسفات، وكذا لتقرير مسائل الاعتقاد الذي يبنى عليها علم العقيدة.

المحاضرة الثانية :
أولاً: وجود الله تعالى
تراءى للعلماء أن يتحدثوا عن وجوده تعالى أول الحديث عن علم العقيدة، وذهب البعض إلى أن صفة الوجود هي الصفة الوحيد المسماة بالصفة النفسية، وووجوده تعالى عين ذاته، ووجود الله تعالى يثبت من خلال الآثار المنبثة في الكون، لهذا وجدنا أن الحديث عن وجوده تعالى كأولي المقدمات في علم العقيدة يفيد الإقرار بوجود الله تعالى فهو من باب الاعتراف بالعجز يلاحقنا دائماً، والكمال المتصل للخالق سبحانه، ولولا وجوده تعالى لكان وجودنا في الحياة عبثاً، بل عبئاً ثقيلاً، إذ لو لم يكن الله موجوداً لكنا وجدنا بالصدفة والعشوائية المحضة، ولا داعي لتكرار ما قاله البعض من الخوض في الدور والتسلسل، لكن لنا وجهة نظر اخرى، وهي: انه تعالى لو لم يكن موجوداً لما كان لوجودنا فائدة أو معنى إذ معنى ذلك سيادة المادية، وانتزاع الروحانية، هذا اولاً، ثم يكون سيادة التغلغل للقوي على الفقير والذليل، ومعنى هذا غياب دولة العدل وسيادة دولة الظلم، والاحتكام دائماً إلى قوانين الغاب، فوجوده تعالى منظم حقيقي للوجود البشري، بل للكون بأكمله ما علمنا منه وما لم نعلم، وخفايا الكون كثيرة في أفلاكه، وشموسه، وكواكبه، وطلاسمه ومهاده، وخفاياه وطواياه، ناهيك عمن اثبته العلماء في ذلك في الأرض وما احتوته من الجبال والمهاد والوهاد وغيرها.
ونظر بعض العلماء إلى وجوده تعالى نظرة الفطرة، فقالوا ما الداعي للقول بأن نتحدث عن وجود الله مع أن وجوده تعالى فطرة في النفس تعرفه النفوس بالبديهة حتى المنكرون لوجوده تعالى لا يجدون مفراً من أن يثبتوا وجوده تعالى من حيث ينفونه، فإذا ارادوا القول بأن الطبيعة هي الإله قلنا لهم: وما صفاتها؟ فيقولن: هي المتحكمة الخالقة التي تهيمن على كل شيء؟ قلنا لهم: هذه صفات الإله، فنراهم احتكموا لقانون الفطرة فأثبتوا وجوده تعالى من حيث أرادوا النفي، وإذا رجعنا إلى العلماء في هذه المسألة فإنا نجدهم يقررون أن الفطرة عامل أول في إثبات وجوده تعالى، ولا نقول تبعاً لهم: الدليل الفطري على وجود الله تعالى، فإن قول الدليل الفطري كلام لا يرقى لمستوى المخاطبة العقلية مع العقلاء، لأن الفطرة ليست دليلاً إلا في حالة استنطاق الفطر، وهذا غير معقول، لكنا نستطق الفطر علنا نجد فيها ما يؤيد فهمنا في وجود الحق تعالى، فوجدنا مثلاً من يقول: إن الأنبياء على جماعهم لم يرسلوا ليقولوا للناس إن الله تعالى موجود، وإنما ارسلهم الله تعالى ليثبتوا للناس إن الله تعالى واحد، وعليه فإن هذا الصنف من العلماء التحف بأن وجود الله تعالى من أعرف المعارف، وبانه من البدهيات التي لا ينكرها إلا شاذ في عقله، او مجنون فقد اصله ومعدنه، ومن ثم فإنه لو نظرنا فيما خلده السابقون من أمر حول هذا المبحث لوجدنا ان الفطرة تعبر عن حالة في النفس موروثة بناء على اصل صحيح موثق لكن لا يدري صاحب التوريث، وهي حقيقة لأنا جميعاً ورثنا هذه العقيدة من أبينا آدم ، حيث أعلمه الله تعالى بوجوده كشفاً ومعاينة، حينما خلقه تعالى في الجنة، واسكنه فيها فترة من الزمان طويلة، غلا أنه لانعدام الزمان في السماوات قدرت بما بين صلاة الظهر والعصر، فلو انا قسنا اليوم في السماوات بأنه بألف سنة أرضية، او بخمسين الف سنة، أو بغير هذا، فمعناه أن الساعة تعد سنيناً على كوكبنا الأرضي؛ والمنظور المعتقد ان الله تعالى خلق آدم وأعلمه بحقيقة الاعتقاد الذي رسمه له، وانزله من السماء إلى الأرض ليكون له نسلاً، يورثهم الدين، ويجعلهم سكاناً في الأرض يراعون مصالحها، ويقومون عليها، ووضع الله لهم قوانين للحماية والرعاية، وذلك حتى لا يطغي أحد على الآخر او يظلمه او يحقره أو يفسد له حياته، فكلنا موهوب لنا الحياة، ومنتظرون لحظة المفارقة التي نعود بعدها إلى البعث والجزاء، فبهذه الوراثة للوجود الإلهي الذي ورثناه عن أبينا آدم  ثبت في الفطر بان الله تعالى موجود، وهنا ينادي داعي الفطرة مع كل لحظة، راع نفسك فهناك قوة عليا مهيمنة على الخلق، حتى أن اكثر الشعوب وحشية تجد هذه العقيدة قد طغت عليها، وتمثل هذا المصلحون جميعاً قبل ورود الرسالات تترى، ولهذا كان إرسال الرسل يعقب الإرهاصات التي أرساها الحق تعالى حتى لا يقابل الرسول المرسل إلى قومه بالعناد المطلق ؛ لكن يكون هناك استعداد حتى ولو لمجرد السماع وهو ما أثبته التاريخ مع واقع كل نبي مع قومه، وإن شئت فابحث في هذا الأمر مفصلاً تثبت صحته بما لا يدع مجالاً للشك، وهذا أمر الجاهلية في زمن الفترة قبل عهد الرسول  للإصلاح والتمهيد، فهذا قس بن ساعدة يقول: البعرة تدل على البعير، وطول الطريق يدل على المسير، كوكب علوي بهذه اللطافة ن وكوكب سفلي بهذه الكثافة، سماء ذات ابراج، وارض ذات فجاج، وبحار ذات امواج أفلا يدل هذا على اللطيف الخبير، وهذا آخر ينادي في الكافرين قائلاً: ارباً واحداً أم أتلف رب أدين غذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعاً كذالك يفعل الجلد الصبور
فلا العزي ادين ولا ابنتيها ولا صنمي بني عمرو أزور
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور
وغير هذا كثير، غير أن هذا كله كان بمثابة التوطئة لبعث الرسول ، ولئن عولج هذا بطريق الإيجاب، فلقد كانت هناك معالجات سلبية تفضي إلى الاحتياج الحقيقي لوجود الرسول، وهو زيادة المظالم، وانعدام الأمن والأمان، وكثرة الفساد، واختلاط الأمور، وتشعب الأحوال، وظلم الحكام، وقانون الغاب، وعدم احترام الآدمية، وتحريف شرع الله في الأديان، وغير ذلك الكثير.
لهذا فالفطرة لها التوطئة لقبول ما بعدها، فلقد مهدت الطريق اما العقل للاقتناع، ولذا فوجود الله تعاللى فطرة في النفوس يعلمه العقل بالبداهة، وقال ابن عطاء الله السكندري:
إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو الدليل عليك، ومتى غبت يا إلهي حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، عميت عين لا تراك عليها رقيبا.
ومن ثم فالفطرة تؤكد أن الله تعالى موجود، وهذا قول العجوز التي قال لها أحد تلاميذ الإمام الرازي: إن هذا هو الإمام الرازي الذي استدل على وجود الله بألف دليل، فقالت المرأة: لا يكون دليل إلا من شك، ومعنى هذا أنه كان لديه الف شك ليقيم عليه الف دليل، هذا كثير، ثم قالت: اعلم يا هذا أن وجود الله لا يحتاج إلى دليل، فهو اظهر الظاهرات، واعرف المعارف، فسمع الإمام الرازي مقالتها فاثر عنه هذه المقولة: اللهم ارزقني إيماناً كإيمان العجائز. ويقصد من ذلك الفطرة السليمة النقية التي لا تعرج على كثير الشبه، وإنما تعني بسلامة الاعتقاد، وحسن القصود.
وبعد أن تعرفنا مختصراً على الفطرة ومداها في الوصول إلى وجود الله تعالى وأنها الإرشاد المحصل لهذا الوصول، نقول: إن البعض قد ينتابه الحيرة، أو القلق فيحتاج إلى ما يزيل هذا القلق أو اليأس أو غيره، أو لربما ان صفاء القلوب ونقاء النفوس قد طبع على بعض القلوب فعافت أن تنظر او تتفكر لما طغى عليها من الران فتحتاج إلى بعض الجلاء، فلم يك من بد إلا بالوقوف على الدليل العقلي والدليل النقلي، حتى لا نجنح إلى التقليد، واعلم أن التقليد في هذا الباب محرم:
وما عذر لذي عقل بجهل بخلاق الأسافل والأعالي
أي أن العذر يمكن قبوله بالجهل في امور ما غير معرفة وجود الله تعالى فلا يقبل فيها العذر بالجهل فافهم.
لذا كان لنا أن نعرج على الدليل النقلي لإثبات وجود الله تعاللى جرياً وراء من قدموا النقل على العقل في الإثبات، غير انه ينبغي أن نعلم أن النقل لا يفهم إلا في إطار العقل.
الدليل النقلي والاستدلال به على وجود الله تعالى:
من المعلوم أن الاستدلال بالنقل في إثبات وجود الله تعالى، لهو من الأمور الثابتة حتى عند المعارضين في استقلال النقل بوحدة الدليل، غير أننا وجدنا أن النقل المنزل من عند الله تعالى يثبت وجوده دونما احتياج إلى غيره، فالآيات الكريمات وما أثر عن الرسول  ليفيد ذلك بطلاقة، وإليك بعض الآيات القرآنية على سبيل الاسترشاد لا الاستقصاء، وهي قوله تعالى:ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ البقرة: ١٦٤ وقوله تعالى ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ النمل٦٠ - ٦٣
وقوله تعالى ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭼ الواقعة: ٥٨ - ٧٣ وهذه الايات تلفت النظر إلى وجوده تعالى، فهو القائم على تنظيم الكون والمكونات، بل هو القائم على وجود هذه الأشياء بحدودها، واشكالها، وأجناسها دون أن يطغى شيء على آخر قال تعالى ﭽ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﭼ يس: ٤٠.
وسأطلق مثالاً واحداً من الأمور العلمية التي تدل على أن الله تعالى موجود منظم ومرتب لهذا العالم، وقد قال صاحب الجوهرة:
فانظر لنفسك ثم انتقل للعالم العلوي ثم السفلي
تجد به صنعاً بديع الحكم لكن به قام دليل العدم
ومن ثم فسأطرح بعض الأمثلة التي تفيد ذلك منها:
أنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي عليه بمقدار بضع أقدام لامتص ثاني أكسيد الكربون والأكسجين، ولما أمكن وجود الحياة، فهذا المقدار المتفق مع وجود الطبيعة والحياة لا يمكن أن يكون وجوده من تلقاء ذاته، إذ لا يمكن للعشوائية والصدفة أن تأتي بمرتب أبداً.
وأيضاً: لو كان الهواء أقل ارتفاعاً مما هو عليه، فإن بعض الشهب التي تحترق بالملايين كل يوم في الهواء الخارجي كانت تضرب في جميع اجزاء الكرة الأرضية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق، ومعنى هذا أن هناك من قدر ونظم واحكم، إذ لو كانت من تلقاء ذاتها لحل الخراب والفساد ، لكن الخراب والفساد أمور مؤجلة، والحياة منتظمة، فدل هذا على أن قوة خارقة هي التي قامت على تنظيمه وإبداعه، ولا يمكن لهذه القوة أن تكون غير الله، فثبت انه الله تعالى، فالله تعالى موجود.
وأيضاً: لو أن شمسنا أعطت نصف إشعاعها الحالي، لأثر هذا فينا بالتجمد وكل ما في الحياة ، ولو ذاد إشعاعها بمقدار أقل بقليل مما هي عليه لتحولنا إلى رماد منذ زمن بعيد، فمن أحكم أمرها، وأمرها بأن تكون على بعد متناسب طرداً وعكساً حتى تمد الأحياء بالحياة وبالقدر الذي يتناسب مع وجودهم.
وأيضاً لو كانت نسبة الأوكسجين بنسبة 50% من الهواء بدلاً من 21% لصارت جميع المواد القابلة للاحتراق عرضة للاشتعال، لدرجة أن شرارة واحدة من البرق تكفي لأن تحرق العالم، وهو موصل إلى الفناء.
وذهب إلكسيس كاريل في كتابه: الإنسان ذلك المجهول إلى القول: من عجائب صنع الإنسان أن الدم نسيج مثل جميع الأنسجة الأخرى، وهو يتألف من 25 أو 30 ألف مليار كرة حمراء، و50 مليار كرة بيضاء، المليار ألف مليون، والدم نسيج متحرك يجد طريقه في جميع أجزاء الجسم، وهو يحمل العذاء المناسب لكل خلية، ويؤدي في الوقت نفسه عمل البالوعة الرئيسية التي تنقل الفضلات التي تطلقها الأنسجة الحية، كما أنه يحتوي أيضاً على مواد كيماوية وخلايا قادرة على إصلاح الأعضاء كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
ثم قال في شأن جلد الإنسان: إن الجلد وملحقاته يلعبون دور الحارس الأمين لأعضائنا ودمنا، غنها تسمح لأشياء معينة بالدخول إلى عالمنا الداخلي، وتمنع أشياء أخرى من دخوله، إنها الباب المفتوح دائماً، وإن كان محروساً بعناية، وهو الذي يؤدي إلى جهازنا العصبي الرئيسي، فيجب أن ننظر إليها باعتبارها جزءاً حيوياً من أنفسنا.
ويقول الأستاذ الحكيم الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره المسمى بالجواهر في صدد الكلام عن بدائع صنع الإنسان:" وياليت شعري أي هندسة واي نظام، واي مقياس كان في الرحم حتى صنع هذه المقاييس أثناء مرور الجنين بأطوار، وجعل أعضاء افنسان وحواسه مرتبة منظمة.
بحيث تكون قامته ثمانية اشبار بشبره هو، ويكون من رأس ركبتيه إلى اسفل قدميه شبران، ومن ركبتيه إلى حقويه شبران، ومن حقويه إلى رأس فؤاده شبران، ومن رأس فؤاده إلى مفرق رأسه شبران بنسب متساوية كما تساوت نسب الأصابع في اليدين والرجلين.
فإذا فتح الإنسان يديه ومدهما يمنة ويسرة كما يفتح الطائر جناحيه وجد ما بين أصابع يده اليمنى إلى رأس أصابع يده اليسرى ثمانية اشبار، نصفها عند ترقوته، والربع عند المرفقين، وإذا رفع يديه إلى ما فوق رأسه كان ما بين أطراف أصابع يديه إلى اصابع قديمه عشرة اشبار، وذلك قامته وربعها، وطول وجهه من منبت الشعر فوق جبينه إلى راس ذقنه شبر وثمن شبر بشبره، وبعد ما بين أذنيه شبر وربع، وطول شق كل عين من عينيه ثمن شبر، وطول إبهامه، وطول خنصره متساويان، وهذا قل من كثر من المقاييس العجيبة التي في جسم الإنسان، وذلك كله إذا كان معدلاً طبيعياً معتدلاً، فلا شك ان خالقه ومنظمه موجود، وصدق المولى  ﭽ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ الانفطار: ٦ - ٨ وهذا قليل من كثير ومن أراد الاستزادة فليراجع هذه المعلومات من مظانها من كتب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
ومن ثم فالدليل النقلي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الله تعالى موجود، ومن أراد التفكر فيما خلده القرآن الكريم من عجائب النظريات فإنه لا يسعه إلا التسليم المطلق بان الخالق  تفرد بالوجود، وتفرد بالخلق فلا يشاركه أحد البتة وإلا لانتقض الخلق والمخلوق، وطغى عليه الخلل والفساد، وما كان الكون بهذا التنظيم، فسبحان الله أحسن الخالقين.
في إثبات وجوده تعالى بالدليل العقلي
اختلف العلماء في أي الأدلة العقلية يمكن أن نعتمدها في إثبات وجود الله تعالى، لكن الكثرة من علماء العقيدة استنطقوا دليل الحدوث باعتباره الأول في إثبات وجود الله إذ دليل الحدوث على الرغم من كثرة مقدماته إلا أنه يثبت ان الله تعالى خالق وموجود، وليس علة أو موجب كما يثبت ذلك تلك الأدلة الأخرى كدليل الإمكان، أو دليل السبر والتقسيم، أو دليل العلة والمعلول.
وبهذا فإن دليل الحدوث وهو الذي استخدمه الكثرة من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة يقوم على مقدمتين تتبعهما نتيجة، المقدمة الأولى: العالم حادث، المقدمة الثانية: كل حادث لابد له من محدث. النتيجة: العالم لابد له من محدث وهو الله تعالى.
دليل صحة المقدمات:
المقدمة الأولى: العالم حادث، وهذه المقدمة نظرية، والمقدمة النظرية وهي التي تحتاج إلى نظر واستدلال، ولا يمكن قبولها إلا بعد استجلاب دليل يدل عليها ويقويها، وحتى نصل إلى هذا الدليل لابد وأن نفهم معنى العالم.
العالم هو كل ما سوى الله تعالى من الموجودات، وقلنا من الموجودات ولم نقل من المخلوقات، وذلك لأن الموجود ينقسم إلى موجود بذاته، وموجود بغيره، وقولنا من الموجودات لا يفضي إلى نقص خاصة وأن قصدنا: الموجود لذاته، وهو ما كان وجوده من ذاته، ومستغن عن غيره استغناءاً تاماً، والموجود لغيره وهو الممكن لذاته، الذي يحتاج في وجوده إلى الغير، وهذا هو المقصود بالعالم، وعند المتكلمين أن العالم مخلوق، وعند الحكماء والفلاسفة أن العالم معلول، وفرق بينهما أن المخلوق حادث، والمعلول عناصره ومادته قديمة، لذا ذهب المتكلمون إلى القول بالخلق والإبداع، ورفضوا القول بالعلة والقدم، لأن ذلك موصل إلى وجود ذاتين في الأزلية: ذات العالم، وذات الله، وهو ما يرفضه المتكلمون.
وأما الحادث فهو: ما وجد بعد عدم، ويظهر الحادث أنه مخلوق عن غير مثال سبق، وهذه هي كيفية الخلق وتصور الخالق الذي ندين له بالإلوهية بغير وساطة ولا محسوبية ز
وإذا أردنا أن نستدل على هذه المقدمة فنقول: العالم مكون من الجواهر والأعراض وهي حادثة، والثانية: أن كل مكون من الجواهر والأعراض الحادثة حادث، فتكون النتيجة بعد حذف الوسط بين المقدمتين: أن العالم حادث، وربما ذهب البعض إلى القول بأن المقدمة الأولى من الدليل على أن العالم حادث تحتاج إلى دليل، قلنا: العالم مكون من الحركة والسكون، وأن كل مكون من الحركة والسكون مركب من الحوهر والعرض، تكون النتيجة: أن العالم مركب من الجرهر والعرض، وكل مركب من الجوهر والعرض حادث، فينتج أن العالم حادث، ولربما طرء طارئ يقول: وما الدليل على أن العالم مركب من الحركة والسكون؟ قلنا: المشاهدة، فإنا نرى هذا الجسم ساكناً بعد أن كان متحركاً وهكذا.
وبعد طول الاستدلال وجدنا أن العالم حادث، وقد اختلف العلماء حول المقدمة الثانية من دليل الأصل وهي ( كل حادث لابد له من محدث ) فذهب الأكثرون إلى أنها مقدمة بدهية: أي تعرف بالبداهة والضرورة، وهي ما لا تحتاج إلى نظر واستدلال، وذهب آخرون إلى التفصيل فيها، فقالوا: إن هذه المقدمة من باب البديهي الخفي وهو الذي يحتاج إلى شاهد، وخالف في هذا بعض المعتزلة فقالوا: هذه المقدمة نظرية وليست بديهية، واستدلوا عليها بأن أفعالنا محدثة ومحتاجة إلى الفاعل لحدوثها فكذا العالم، وعليه فإنا وجدنا أن هذا الدليل هو أقوى ما تمسك به المتكلمون على الرغم من صيرورة بعض الاعتراضات عليه، لكن يقويه جانب العلم والرياضة، فالكندي وهو الفيلسوف المسلم، قد اقر بحدوث العالم بناء على مقدمات رياضية، وخالف في هذا الفلاسفة بجملتهم، ورغم أن ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قد اعترض على دليل الحدوث، ورجح دليل الإمكان المازج بين الحدوث والإمكان، وهو ما ذهب إليه الجويني في النظامية، لكن شبه الإجماع يؤكد على الحدوث، ثم جاءت دلالات العالم الحديث تفيد ذلك، ومنها: ألقانون الثاني للديناميكا الحرارية، التي تفيد أن العالم إلى زوال، وأنه إن ثبت ذلك ثبت أن له بداية، والبداية تثبت الخلق لا قدم العنصر، وكذا دليل نشأة الكون أو نظرية الانفجار العظيم التي أثبتت أن العالم في اتساع دائم فقد ابتدأ من انفجار عظيم، وهو رغم استاعه إلى انفجار أعظم، وبه تكون النهاية، وكل ما له نهاية حتمي أن يكون له بداية، والبداية على هذا النحو هي الحدوث وأنه مخلوق.
وهناك أدلة أخرى لإثبات وجود الله تعالى منها دليل الإمكان، ودليل العلة، ودليل السبر والتقسيم، ودليل العند، ودليل المادة، ودليل الحركة، والدليل الرياضي، وهي كلها تصب في منحى واحد، وهو أن العالم لم يوجد نفسه بنفسه، وإنما وجد بموجد وهذا الموجد لا شك أنه الله تعالى.
وفي هذا إشارة إلى أن أي شيء في الكون يدل على وجود الله تعالى، وصدق القائل:
وفي كل شيء له آيه تدل على أنه الواجد.
وبعد أن تعرضنا على سبيل الإجمال الغير مخل للاستدلال على وجود الله تعالى من طريق الفطرة أو النقل أو العلم، أو العقل.
بقي أن نعلم أن الله تعالى لا يعرف من خلال الذات، وهذا شأن المخلوق فهو الذي يعرف وجوده بذاته، أما الخالق فلا، لذا كانت معرفته تعالى من طريق الصفات والأسماء، وأيضاً من طريق الآثار، وقبل أن نخوض في هذا الأمر وجب أن نتعرف على هذه المسألة:
هل معرفة الله واجبة بالعقل أم بالنقل؟ وهل يمكن أن نعذر بالجهل الإنسان في عدم معرفة الله أم لا؟
والجواب على هذا رغم اختلاف العلماء فيه، إلا أني أقول: إن معرفة الله تعالى لا يدخل فيها جانب التقليد، وإنما يستحث عليها من طريق التقليد، بمعنى أن إنسان يرشد آخر إلى طريق النظر ليصل الآخر إلى وجود الله تعالى بنفسه، وهكذا أُرشد، ثم نفذ، ثم وصل، وبهذا ارتفع التقليد في حقه، ومرشدنا إلى ذلك أن وجود الله تعالى أعرف المعارف، ونظراً لأن النقل موجود، ولسنا في زمان انعدام النقل، كان لابد أن نفرق بين أمرين في السؤال وهما: الحكم قبل ورود النقل وثباته، والحكم بعد ورود النقل وثباته.
أما الحكم قبل ورود النقل وثباته، فالإيجاب إلى العقل لا محالة، ولا يعذر الإنسان في الإثبات، غير أنه يعذر في معرفة المنهج الصحيح والموصل إلى عباته تعالى، إذ هذا لا يفهم إلا من خلال النقل ووجود الرسول،
أما الحكم بعد ورود النقل وثباته، فمن السخرية أن نقول إنه واجب بالعقل، لأن النقل موجود، ونحن مطلعون عليه، ولا يوجد فينا من نشأ في شاهق ج
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://drshehata.alhamuntada.com
 
الملف الأول في المحاضرات الكاملة من الأولى للثالثة للفرقة الأولى بتفهنا الأشراف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاستاذ الدكتور محمد السيد شحاته :: قسم خاص بكلية التربية تفهنا الأشراف :: محاضرات-
انتقل الى: